(الندافة) مهنة قديمة لم يخل بيت في ماضي الكويت من منتجاتها التي تزين أركانه وتوفر الراحة لأهله وها هي اليوم تكاد تندثر بعد أن دخلت عليها الآلات الحديثة.
وتقوم مهنة (النداف) أو الندافة على تقنية نفش القطن أو الصوف بعصا طويلة حتى يلين ويطرى لذلك يقال في اللغة العربية (ندف الشيء) أي طرقه وضربه بالمندف ليرق ويزول تلبده وعادة ما يكون ذلك للصوف أو القطن فيقال (ندف الصوف) أما القطف فهو (مندوف).
وعلى الرغم من أن (الندافة) مهنة تكاد تختفي في العديد من دول المنطقة وبينها الكويت مع انتشار مصانع وورش المفروشات الحديثة فإن هناك من لا يزال يبحث عن النداف القديم ليتولى إعادة الحياة إلى مفروشاته ووسائده وبأقل التكلفة.
وعن تاريخ الندافين في الكويت قديما قال الباحث في التراث الكويتي محمد عبدالهادي جمال لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الخميس إن (القطان) أو (النداف) هو الشخص الذي يقوم بتجهيز القطن ونفشه وحشوه في عبوات مختلفة من القماش لعمل مختلف أنواع المنتجات التي يستخدمها الناس في منازلهم للنوم أو الراحة أو الاسترخاء كالفرش والمساند و(المطارح) وهي جلسات شعبية أرضية وما شابه ذلك وتندرج ضمن الحرف القديمة في الكويت.
وأوضح جمال أن (النداف) يستخدم القطن والقماش والخيوط كمواد خام رئيسية في عمله ويستعين بعدة وأدوات بسيطة قوامها (القوس) و(الشج) و(الخيزرانة) الغليظة و(الابرة) و(الكشتبانة) ليمارس عمله حيث كان القطن يصل من الخارج في (بالات) أي عبوات أو ربطات كبيرة تزن الواحدة منها حوالي 112 رطلا إنكليزيا.
وأضاف أن (النداف) يشتري البالة من التاجر ويضعها في محله حتى إذا ما جاءه العميل طالبا فراشا أو ما شابه ذلك من المنتجات قام بوزن كمية معينة من القطن لصناعة القطعة المطلوبة ثم يبدأ العمل.
وحول مراحل عمل (النداف) أفاد بأنه يبدأ أولا بفصل قطع القطن بعضها عن بعض ثم يبدأ الضرب بالخيزرانة في عملية تسمى (الترويط) التي تساعد في تفكيك قطع القطن المتكتل فإذا أصبح متجانسا تبدأ المرحلة الثالثة من خلال الندف بالقوس لتنعيم القطن أي نفشه.
وبين أن القوس عبارة عن قطعة مستطيلة من الخشب مقوسة قليلا طولها حوالي متر ونصف المتر يربط بين طرفيها وتر سميك مصنوع من أمعاء الماعز وكان يتم استيراد القوس والأوتار من الهند.
وذكر جمال أن (النداف) يستخدم أيضا قطعة صغيرة من الخشب على شكل مضرابة تسمى (الشج) لضرب الوتر الذي يلامس القطن المراد نفشه مشيرا إلى أن (الندف) عملية شاقة قد تستمر بين 4 و 5 ساعات للفراش الواحد.
وبين أنه عند اكتمال عملية الندف يبدأ (النداف) بوضع القطن في الفراش الذي يقوم بتفصيله وبعد الانتهاء من حشو الفراش بالقطن يقوم بخياطته ثم (تسميره) أي عمل غرزات تربط جانبي الفراش العلوي والسفلي بعضهما ببعض وتبعد الغرزة الواحدة عن الأخرى حوالي 20 سنتيمترا لمنع القطن من التحرك أو التراكم بجهة واحدة من الفراش.
ولفت إلى أنه بعد ذلك تتم تكسية الفراش بقطعة ملونة من القماش تسمى (الوجه) لإعطائه منظرا جميلا من جهة ولتغطية قماش (المريكن) الرخيص الذي يحفظ القطن من الداخل.
وقال إن عمل (النداف) كان يزدهر في فصل الشتاء وقدوم البرد حيث يستعد الناس لاستقبال هذا الفصل بتجهيز منازلهم باحتياجاتهم من الفرش الجديد أو تجديد القديم منها بأخذها إلى النداف لإعادة نفش قطنها وتبديل قماشها الذي يكون قد تقادم من كثرة الاستعمال.
وأشار إلى أن معظم (الندافين) قديما كانوا يمارسون عملهم في الساحات المفتوحة المقابلة لدكاكينهم أو في منازل بعض عملائهم الذين يستدعونهم لعمل ما يحتاجونه من فرش ومطارح ومساند داخل المنازل فيتوجه النداف ومساعدوه إلى هناك في الصباح الباكر لإنجاز العمل الذي قد يستغرق يومين أو أكثر.