في تحوّل نوعي يعكس نضج العمل الخيري وتطوره نحو الاستدامة، تواصل الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ترسيخ نموذج متقدم في رعاية الأيتام، يتجاوز مفهوم الكفالة التقليدية ليصل إلى التمكين الاقتصادي والاجتماعي.
نموذج لا يكتفي بتأمين الاحتياجات الأساسية خلال سنوات الطفولة، بل يرافق اليتيم وأسرته بعد بلوغ سن الرشد، محوّلًا الرعاية إلى إنتاج، والمساعدة إلى اعتماد على الذات.
في هذا السياق، يُعد مشروع «صندوق الأسر المنتجة للأيتام» التابع للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية أحد أبرز تجليات هذا التحول، حيث يمثل برنامجًا تنمويًا رائدًا يهدف إلى تمكين أسر الأيتام اقتصاديًا في تسع دول حول العالم، من خلال إنشاء مشاريع صغيرة مدرّة للدخل، تُدار بأيدي المستفيدين أنفسهم، بما يضمن لهم حياة كريمة ومستقرة ومستدامة.
تنطلق فلسفة المشروع لدى الهيئة الخيرية من إيمانها بأن رعاية اليتيم لا تقتصر على توفير نفقة آنية، بل تقوم على إتاحة فرصة حقيقية تمكّنه من بناء مستقبله والاعتماد على ذاته، وذلك في إطار رؤية متكاملة تستهدف دعم الفئات الأكثر احتياجًا عبر حلول مستدامة تكفل لهم حياة كريمة واستقرارًا طويل الأمد.
وضمن هذا الإطار، تبنّت الهيئة الخيرية مقاربة جديدة في العمل الخيري، تقوم على الانتقال من الرعاية المؤقتة إلى التمكين طويل الأمد، عبر توفير مصادر دخل مستدامة لأسر الأيتام بعد انتهاء الكفالة، وتأهيل المستفيدين وإكسابهم مهارات الإدارة والإنتاج، وإنشاء مشاريع اقتصادية حقيقية تضمن الاستقلال المالي.
ومنذ إطلاق المشروع عام 2021، حقق «صندوق الأسر المنتجة للأيتام» نتائج لافتة عكست حجم الأثر الإنساني والتنموي الذي أحدثه على أرض الواقع من خلال التعامل مع 11 جهة ميدانية شريكة، حيث تم تنفيذ 809 مشاريع إنتاجية في 9 دول، استفاد منها 4,849 يتيمًا وأفراد أسرهم، بحجم استثمارات بلغ 1.24 مليون دولار أمريكي، فيما أظهرت دراسات قياس الأثر الميدانية تحسّنًا في جودة الحياة بنسبة 85 % لدى الأسر المستفيدة.
وتُنفّذ مشاريع الصندوق في بيئات مختلفة تشمل فلسطين، واليمن، والأردن، والسودان، وتونس، والنيجر، والصومال، ولبنان، وسوريا، مع مراعاة خصوصية كل مجتمع واحتياجاته الاقتصادية. وقد تنوّعت مجالات المشاريع لتشمل الأنشطة التجارية، والمشاريع الإنتاجية المنزلية، والمشاريع الزراعية والحيوانية، إلى جانب المشاريع الخدمية والحرفية، بما يضمن مرونة عالية وفرص نجاح أكبر.
وتبلغ قيمة المشروع الواحد في أغلب الدول نحو 500 دينار كويتي، وترتفع إلى 1000 دينار في فلسطين والأردن، نظرًا لاختلاف التكاليف التشغيلية والظروف الاقتصادية، في إطار سياسة مرنة توازن بين العدالة والكفاءة.
ولا يقتصر نجاح الصندوق على التمويل فحسب، بل يرتكز على منظومة متكاملة تشمل التدريب والتأهيل المسبق، والمتابعة الميدانية، والتقييم الدوري للأسر، إلى جانب شراكات محلية فاعلة تسهم في ضمان استدامة المشاريع ونموّها. كما يتميز البرنامج بقابليته العالية للتوسع والتكرار في دول جديدة، أو تطوير المشاريع القائمة لتصبح أكثر اتساعًا وتأثيرًا.
وتتجلى الأبعاد الإنسانية للمشروع في قصص نجاح ملهمة، من بينها قصة “ختام” التي وجدت نفسها مسؤولة عن أسرتها بعد فقدان المعيل، قبل أن تتحول من متلقية للمساعدة إلى صاحبة دكان صغير وفّر لها دخلًا ثابتًا، مكّنها من مواصلة تعليمها الجامعي، لتقول بثقة: «أصبحت أعطي بدلًا من أن أنتظر العطاء».
وفي اليمن، تحوّل حلم حائك بسيط إلى ورشة خياطة نابضة بالحياة، بدأت بست مكائن فقط، قبل أن تتوسع إلى 13 ماكينة يعمل عليها أفراد الأسرة، لتصبح مصدر رزق كريم ومستقر. أما في النيجر، فقد نجح أبوبكر، اليتيم السابق، في تأسيس محل خياطة خاص به، لم يوفّر له الاستقلال المالي فحسب، بل مكّنه من توظيف شابين من أبناء منطقته.
ويتجاوز أثر المشروع الجانب الاقتصادي ليشمل أبعادًا اجتماعية وإنسانية عميقة، من بينها إعادة بناء الثقة بالنفس لدى أسر الأيتام، وتمكين الفتيات والشباب من إدارة مشاريع ناجحة، وتخفيف الضغوط المعيشية عن الأسر التي فقدت معيلها، إضافة إلى حماية آلاف الأطفال من التسرب التعليمي بفضل توفر دخل ثابت للأسرة.
وبذلك، يجسّد «صندوق الأسر المنتجة للأيتام» نقلة نوعية في مسار رعاية الأيتام، ويعكس رؤية الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في صناعة الإنسان المنتج، القادر على الاعتماد على نفسه، وتحويل التحديات إلى فرص، والعمل الخيري إلى تنمية مستدامة.
بناء قدرات الأسر المستفيدة
يركز المشروع على دعم الأسر التي ترعى الأيتام من خلال توفير التمويل اللازم لإنشاء مشروعات صغيرة مدرة للدخل، مع تقديم الإرشاد والتدريب اللازمين لنجاح هذه المشروعات واستمراريتها.
وتولي الهيئة الخيرية اهتمامًا خاصًا ببناء قدرات الأسر المستفيدة، من أجل تعزيز مهاراتها في إدارة المشاريع وتسويق المنتجات وتحقيق استقلال مالي ينعكس إيجابًا على حياة الأيتام ومستقبلهم.
يذكر أن الهيئة الخيرية استطاعت من خلال شراكاتها الواسعة مع المؤسسات المانحة والجهات الإنسانية في دول عدة، توفير دعم نوعي مكَّن عشرات الأسر من إطلاق مشاريع حرفية منزلية وصناعات بسيطة وأسواق صغيرة، مما أسهم في تحسين مستوى الدخل وتلبية الاحتياجات الأساسية للأيتام في تلك الأسر.
دعوة المانحين لدعم الصندوق
مع حلول شهر رمضان المبارك، جدّدت الهيئة الخيرية دعوتها للمؤسسات المانحة وأهل الخير إلى دعم مشروع صندوق الأسر المنتجة لما له من أثر إيجابي مباشر على حياة الأيتام، من خلال تمكين أسرهم ومنحهم فرصة عادلة للعيش الكريم.
وتؤكد الهيئة الخيرية أن المشروع يعبّر عن التزامها المستمر بالانتقال من العمل الإغاثي التقليدي إلى العمل التنموي المستدام، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للفئات الهشة.