الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وجعل العلم نوراً يهدي به من يشاء من عباده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير معلم للبشرية، وعلى آله وصحبه أجمعين، الذين حملوا مشعل العلم والإيمان.
أيها الإخوة والأخوات الكرام،  في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والرحمة والمغفرة، شهر العتق من النيران والتزود بالحسنات، نرحب بكم في سلسلة حلقاتنا الرمضانية المباركة التي نخصصها لاستعراض سير وإنجازات علماء مسلمين عظماء، الذين أناروا العالم بنور علمهم، وأرسوا أسس الحضارة الإنسانية في عصر كانت فيه أوروبا تغرق في الظلام.
لقد حثنا ديننا الحنيف على طلب العلم، فقال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، و»العلماء ورثة الأنبياء». 
كان علماؤنا المسلمون في العصر الذهبي الإسلامي رواداً في الرياضيات والطب والفلك والفلسفة والكيمياء وغيرها، فأضاءوا الطريق للبشرية جمعاء، وأثبتوا أن الإيمان الحقيقي يقترن بالعلم والابتكار.
في كل حلقة من هذه السلسلة، سنغوص في حياة عالم مسلم فذ، نستعرض نشأته وإنجازاته العلمية وتأثيره على العالم، لنتعلم من تراثنا الغني، ونفتخر بمساهمة أمتنا في بناء الحضارة الإنسانية، ونستلهم منهم روح الاجتهاد والإبداع في عصرنا الحاضر.
إن استعراض سير هؤلاء العلماء في شهر رمضان له دلالة خاصة؛ فهو شهر التزكية والتأمل، وما أجمل أن نربط بين تزكية النفوس وتزكية العقول، فالعلم عبادة إذا اقترن بالإخلاص، والجهد في طلب المعرفة قربة إلى الله تعالى، كما كان حال أسلافنا الذين جمعوا بين خشية الله وعمق الفهم.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذه الحلقات في ميزان حسناتنا، وأن ينفع بها المسلمين، وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا في هذا الشهر الكريم، وأن يعيد علينا رمضان أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في خير حال وعافية.
 

- كتاب «الحاوي في الطب» حكَمَ عقول أطباء الأرض لقرون
- قواعد صارمة وضعها الرازي لحماية العلم من الخرافة
- لغز الجدري والحصبة.. التمييز الرائد الذي أنقذ ملايين قبل جينر بقرون
- ثورة الصيدلة من تقطير الكحول والأحماض إلى أسرار تصنيف المواد

 
وُلد أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (854-925م) في مدينة الري (قرب طهران الحالية) خلال عصر الازدهار الفكري للدولة العباسية، حيث كانت بغداد مركزاً للترجمة والحوار العلمي. لم يكن نبوغه المبكر مجرد استيعاب سريع للمعارف، بل كان تجلياً لمنهج نقدي تجريبي يرفض التقليد الأعمى ويعتمد الملاحظة المباشرة والتجربة العملية. 
بدأ حياته المهنية موسيقياً وعازف عود ماهراً، ثم تحول في الثلاثينيات من عمره إلى دراسة الكيمياء والفلسفة، وأخيراً الطب الذي أصبح فيه أعظم أطباء عصره. عمل مديراً لمستشفى الري، ثم انتقل إلى بغداد حيث تولى إدارة المستشفى العظيم، وأشرف على بناء مستشفيات جديدة بمعايير اختيار الموقع الهوائي والمائي لتجنب الأوبئة. انفتح الرازي على كنوز التراث اليوناني (جالينوس وهيبوقراط) والفارسي والهندي، لكنه سرعان ما انتقد أخطاءهم، مفضلاً التحقق السريري على السلطة النظرية، معتبراً العلم أداة لخدمة الإنسانية لا وسيلة للسلطة الدينية أو الفلسفية، مما جعله شخصية مثيرة للجدل في عصره.
 
 
 
أنطولوجيا الطب التجريبي
 
 
أسس الرازي في موسوعته «الحاوي في الطب» تفرقة جوهرية بين النظرية المجردة والمعرفة السريرية المبنية على التجربة. جادل بأن الطب لا يقوم على الافتراضات بل على «اليقين الحسي» من الملاحظة المباشرة و»البرهان العقلي» من التجارب المتكررة، داحضاً الاعتماد المطلق على جالينوس الذي كان يُقدَّس في عصره. هذه التفرقة الأنطولوجية مكنته من بناء نظام علاجي يربط السبب بالعلاج عبر مراقبة دقيقة للمرضى، مقدمًا حلاً عملياً لإشكالية الشفاء في عصر كانت فيه الأوبئة والأمراض المزمنة تهدد المجتمعات، ومؤكداً أن الطب علم تجريبي يتطور بالخطأ والتصحيح لا بالنقل الحرفي.
 
 
سيكولوجيا المرض والشفاء
 
 
في كتابه الرائد «الطب الروحي»، قدم الرازي تحليلاً نفسياً عميقاً لتأثير العواطف على الجسد، معتبراً أن القلق والحزن والغضب يسببان أمراضاً عضوية مثل الصداع المزمن وقرحة المعدة واضطرابات القلب. افترض أن النفس تؤثر في الجسد عبر قنوات عصبية، ووصف علاجات نفسية مبتكرة مثل العلاج بالموسيقى والحديث الإيجابي والتأمل، محذراً من الإفراط في الشهوات كسبب للأمراض النفسية الجسدية. خلص إلى أن الشفاء عملية شاملة تجمع بين الدواء الجسدي والرعاية النفسية، مهداً الطريق للطب النفسي الجسدي الحديث، ومؤكداً أن الطبيب يجب أن يكون فيلسوفاً يعالج الروح قبل الجسد.كتاب «الحاوي في الطب» ليس مجرد تجميع للمعارف القديمة، بل موسوعة سريرية هائلة في 23 مجلداً تضم ملاحظاته الشخصية على آلاف الحالات.
 تناول الكليات الطبية مثل التشريح والفسيولوجيا، ثم الأمراض الموضعية من الرأس إلى القدم، والجراحة، والصيدلة، والتغذية، مع نقد صريح لأخطاء جالينوس وهيبوقراط. تميز الكتاب بدقة التصنيف وتسجيل الحالات الفردية، مما جعله الدستور الطبي المهيمن على الجامعات الأوروبية (مثل ساليرنو ومونبلييه) لقرون، مترجماً إلى اللاتينية تحت اسم «continens».تجاوز الرازي نظرية الأخلاط الأربعة اليونانية ليدخل في رحاب الاستقراء السريري. أدرك بحدس ثاقب أن الأمراض السارية مثل الجدري والحصبة تنتقل عبر العدوى، وشدد على النظافة الشخصية وعزل المصابين في أماكن مهواة، مبتكراً بذلك المفهوم الأولي للحجر الصحي، مما أنقذ أرواحاً لا تُحصى خلال الأوبئة التاريخية.
 
 
إبستمولوجيا العقل الطبي
 
 
يرى الرازي أن المعرفة الطبية تمر بمراحل تصاعدية تبدأ بـ»الشك المنهجي» في التراث، ثم «التجربة السريرية»، وصولاً إلى «اليقين العملي». وفي قمة هذا الهرم يقع «العقل الناقد» الذي يفيض بالحقائق عندما يتهيأ بالملاحظة الدقيقة والتسجيل المستمر. هذه النظرية تربط بين العقل الإنساني والتجربة الكونية، معتبرة أن فعل التشخيص هو عملية إشراق وتجرد للأسباب من شوائب الخرافة.
كتاب «المنصوري في الطب» هو مشروع عملي موجز في عشر مقالات مخصص للخليفة المنصور، يغطي التشريح والوظائف والأمراض والعلاج بدقة عملية. لم يكتفِ الرازي بشرح التراث، بل أضاف مئات الحالات الشخصية، متفوقاً في التشخيص التفريقي، خاصة في تمييزه بين الجدري والحصبة لأول مرة في التاريخ.
وضع الرازي في كتاب «الأدوية المفردة» بروتوكولاً صارماً لاختبار العقاقير يُعد الحجر الأساس لعلم الصيدلة الحديث. اشترط أن يُجرب الدواء أولاً على الحيوانات، ثم على حالات متضادة في البشر، مع رصد وقت الأثر والتكرار، فصل بين «السحر» والعلم، مرسخاً مبادئ التجارب السريرية المضبوطة.كان الرازي سباقاً في إثبات تأثير الانفعالات النفسية على الجسم. شخّص حالات مثل الاكتئاب المسبب للشلل والقلق المؤدي لخفقان القلب، واستخدم تقنيات مثل العلاج بالكلام والموسيقى، مما وضعه كأب روحي للطب النفسي والعلاج السلوكي.
 
 
الرازية اللاتينية
 
 
عند ترجمة أعماله إلى اللاتينية (rhazes)، أحدثت صدمة فكرية في الغرب. تبنى اللاهوتيون والأطباء مثل باراسيلسوس وفيساليوس منهجه التجريبي، بينما استعار منه علماء النهضة نقده لجالينوس. شكلت «الرازية اللاتينية» تياراً علمياً ساعد في تهيئة العقل الغربي للثورة العلمية.
في أطروحاته الكيميائية، ربط الرازي بين الطب والصيدلة في كتاب «السر المكتوم»، صنف المواد إلى حيوانية ونباتية ومعدنية، وابتكر أدوات التقطير والتكثيف، مما مكنه من تنقية الكحول وحمض الكبريتيك.
تجاوز تأثير الرازي كونه طبيباً ليصبح رمزاً لوحدة العلوم، نموذجاً ملهماً للعالم الشمولي في عصر التخصصات.
في دراسته للكيمياء، تبنى رؤية تجريبية بحتة، معارضاً الخيمياء السحرية، مرجحاً أن المعادن لها طبيعة نوعية لا تتغير.
 
 
الجيولوجيا والمعادن
 
تعد ملاحظات الرازي حول تشكل الأملاح والجواهر قفزة في الكيمياء التطبيقية، شرح كيف تترسب المعادن في الطبيعة.
بنى الرازي خريطة وظيفية للجسم، قسّم الأعضاء حسب الوظائف والأمراض المرتبطة، مرتبطة بالأخلاط لكنه معدلها بالتجربة.
في دراسته للأدوية، تبنى رؤية تجريبية، وصف مئات النباتات والمعادن بدقة سريرية.خصص فصولاً دقيقة حول طب الأطفال والنساء والشيخوخة، تناول التغذية والتربية والأمراض النسائية.
 
 
العرفان الطبي
 
في مؤلفاته الأخيرة، صاغ الرازي فلسفة علاجية ناضجة، حلل التجربة السريرية كترقٍّ عقلاني يبدأ بالشك وينتهي باليقين العملي.
قدم مقاربة فريدة للأوبئة، شرح العدوى بجسيمات دقيقة محمولة في الهواء، استباقاً لنظرية الجراثيم، ابتكر نظاماً معقداً لتصنيف الأمراض، استخدم مفاهيم مثل التشخيص التفريقي والمراحل الزمنية، رغم حذره في الجراحة، وضع بروتوكولات دقيقة لعلاج الكسور والجروح والأورام.
 
 
السجالات الفكرية
 
 
أثارت فلسفة الرازي جدلاً واسعاً؛ نقد الأديان المنظمة والنبوة في كتاب «مخاريق الأنبياء»، لكن هذا النقد أدى إلى نضوج الفكر العقلاني، حيث دافع عنه لاحقاً ابن سينا والفارابي.
وضع إطاراً أخلاقياً يسبق عصره؛ اعتبر الطب أمانة إنسانية، شدد على كتمان أسرار المرضى والرحمة بالفقراء.
ويمثل الرازي الذروة التي التقت عندها العلوم النقلية والعقلية، مشروعه لم يكن شتاتاً بل بناءً عضوياً يتصل فيه الطب بالكيمياء والنفس والفلسفة.]
 
 
 
الكيمياء التطبيقية
 
 
يُعد الرازي أباً للكيمياء الطبية الحديثة، حيث ألف كتاب «السر المكتوم» الذي يصف أدوات المختبر مثل المقطر والكور والمباخر بدقة هندسية، مما مكن من فصل المواد وتنقيتها. ابتكر طرقاً لتقطير الكحول الطبي وتحضير الأحماض المعدنية مثل حمض الكبريتيك وحمض النيتريك، مستخدماً إياها في علاج الجروح والأمراض الجلدية. 
صنف المواد الكيميائية إلى ثلاث فئات رئيسية: حيوانية (مثل الدهون)، نباتية (مثل الزيوت الأساسية)، ومعدنية (مثل الزئبق والكبريت)، مع وصف دقيق لخواص كل مادة وتأثيرها الطبي.
 رفض الخيمياء السحرية الهادفة لتحويل المعادن إلى ذهب، معتبراً إياها تخميناً غير علمي، وأكد أن الكيمياء يجب أن تخدم الطب لا الأوهام، مما جعله أول كيميائي تجريبي يفصل بين العلم والسحر.
 
 
 
الجدري والحصبة
 
 
في كتاب «الجدري والحصبة»، قدم الرازي أول وصف دقيق ومتميز بين المرضين، موضحاً أعراض كل منهما، مسار العدوى، والمضاعفات. 
وصف الجدري بطفح جلدي عميق يترك ندبات، والحصبة بطفح سطحي مع سعال وحمى، مع نصائح للعزل والتبريد والترطيب. هذا التمييز أنقذ ملايين الأرواح قبل اكتشاف اللقاح بقرون، وأرسى أساس علم الوبائيات والمناعة، حيث لاحظ أن الناجين من الجدري يكتسبون مناعة دائمة.
 
 
 
نظام الرعاية الصحية
 
 
كان الرازي مديراً عبقرياً للمستشفيات، حيث اختار مواقع البيمارستانات بعيداً عن الروائح الكريهة وقرب المياه النظيفة.
 أدخل نظاماً لفحص الأطباء قبل التعيين، وفصل الأجنحة حسب نوع المرض (معدية، نفسية، جراحية)، وأمر بتوفير الرعاية المجانية للفقراء. 
هذا النموذج انتشر في العالم الإسلامي ثم الأوروبي، مؤسساً مفهوم المستشفى العام الحديث.
 
 
الفلسفة العقلانية 
 
في كتبه الفلسفية مثل «السيرة الفلسفية» و»في الشكوك على جالينوس»، دافع الرازي عن العقلانية المطلقة، ناقداً الأديان المنظمة كمصدر للخرافات، معتبراً أن العقل هو المرجع الوحيد للحقيقة.
 رأى أن الله خلق العالم ثم تركه لقوانين طبيعية، ودعا إلى تسامح ديني ومساواة بين الناس. هذه الأفكار جعلته هدفاً للنقد من المتشددين، لكنها أثرت في الفكر الحر لاحقاً.
 
 
 
الطب الإسلامي
 
 
ألهم الرازي جيلاً من الأطباء المسلمين مثل ابن سينا الذي بنى «القانون» جزئياً على «الحاوي» مع نقد وتطوير، وابن النفيس الذي طور نظريات الدورة الدموية مستوحى من منهجه التجريبي. في الأندلس، نقل ابن زهر وابن رشد أفكاره، بينما في المشرق أصبح مرجعاً في المدارس الطبية. 
منهجه في تسجيل الحالات السريرية أثر في تطور السجلات الطبية والتعليم السريري. الجانب الفلسفي والدفاع عن العقلفي كتاب «السيرة الفلسفية»، روى الرازي قصة حياته كدليل على قوة العقل، ناقداً الاعتماد على الوحي أو النبوة كمصدر معرفة، معتبراً أن العقل كافٍ لفهم الكون والأخلاق. 
دعا إلى حياة زاهدة مبنية على اللذة المعتدلة دون إفراط، مستوحى من أبيقور لكنه معدل بالعقلانية. 
رأى أن الله عادل لا يعاقب الأبرياء، وأن الشرور ناتجة عن قوانين طبيعية لا تدخل إلهي. هذه الأفكار، رغم إثارتها الجدل، ساهمت في تطور الفكر الحر والعلماني في الحضارة الإسلامية.
 
 
 
الأمراض الوراثية 
 
 
خصص الرازي فصولاً لطب الأطفال، وصف أمراض الرضع مثل الإسهال والطفحيات، مع نصائح للرضاعة الطبيعية والتطعيم المبكر ضد الجدري بتعريض الطفل لإفرازات خفيفة (إرهاص للتلقيح). لاحظ بعض الأمراض الوراثية مثل العمى الخلقي، مقترحاً أسباباً مزاجية أو وراثية، مستبقاً علم الوراثة.
 
 
 
علم الصيدلة 
 
 
كرم الرازي كأب للصيدلة السريرية، حيث صنف الأدوية حسب القوة والسمية، وأدخل مفاهيم الجرعة والتفاعلات الدوائية، محذراً من الإفراط في المهدئات مثل الأفيون.
في العصر الحديث، يُدرس الرازي في كليات الطب كرائد للطب القائم على الدليل، وسميت مستشفيات وجوائز باسمه. منهجه في مكافحة الأوبئة ألهم منظمة الصحة العالمية في برامج الوقاية.
 
 
 
 آراء الرازي الفلسفية 
 
 
يُعد أبو بكر الرازي أحد أكثر الفلاسفة المسلمين جرأة في نقد الأديان المنظمة والنبوة، مما جعله شخصية مثيرة للجدل حتى اليوم. 
في كتبه المفقودة جزئياً مثل «مخاريق الأنبياء» و»في النبوات»، جادل الرازي بأن فكرة النبوة غير ضرورية للبشرية، مستنداً إلى اعتبارات عقلية وتاريخية.
 رأى أن العقل البشري كافٍ للوصول إلى الحقيقة الأخلاقية والعلمية دون حاجة لرسل أو كتب سماوية، لأن الله – إن وجد – خلق العالم بعقلانية تسمح لكل إنسان بالتفكير المستقل. انتقد الرازي التناقضات في الكتب المقدسة، معتبراً أن الاختلافات بين الأديان دليل على أنها صناعة بشرية تهدف إلى السيطرة الاجتماعية لا الإرشاد الإلهي.
 سأل: لماذا يختار الله قوماً دون آخرين للنبوة، مما يسبب حروباً وانقسامات؟ اقترح أن الأنبياء كانوا فلاسفة أو محتالين يستغلون جهل العوام، وأن المعجزات مجرد خدع أو تفسيرات طبيعية خاطئة. 
هذه الآراء، التي نقلها خصومه مثل أبي حاتم الرازي في مناظراته، أدت إلى اتهامه بالإلحاد أو الزندقة، رغم أنه آمن بخالق عادل ترك الكون لقوانين طبيعية. 
دافع عن تسامح ديني حقيقي، معتبراً أن الدين الحقيقي هو العقل والأخلاق لا الطقوس، مما جعله سابقاً لعصر التنوير الأوروبي في دعوته للحرية الفكرية.
 
 
الكتب المفقودة 
 
 
فقدت معظم كتب الرازي الفلسفية، لكن قطعاً بقيت نقلها خصومه أو مؤرخون مثل ابن أبي أصيبعة.
 من أبرزها «في الشكوك على جالينوس» الذي نقد فيه أخطاء الطبيب اليوناني منطقياً، و»المدخل إلى المنطق» الذي طور فيه أدوات نقدية للبرهان. كتاب «في اللذة» دافع عن فلسفة أبيقورية معدلة، معتبراً اللذة المعتدلة غاية الحياة مع تجنب الألم الزائد. 
أما «إن للعبد خالقاً» فكان دفاعاً عن وجود خالق عقلاني دون تدخل مباشر. هذه الكتب، رغم فقدانها، أثرت في الفارابي وابن سينا الذين ردّوا عليها، محولين النقاش الفلسفي في الإسلام نحو التوفيق بين العقل والدين.
 
 
 
حياته الفكرية
 
 
بدأ الرازي حياته الفكرية موسيقياً ماهراً، عازف عود بارعاً وملحنًا، قبل أن يتخلى عنها للعلوم. في «الطب الروحي»، أعاد استخدام الموسيقى كعلاج نفسي، وصف ألحاناً هادئة للاكتئاب وإيقاعات حيوية للخمول، مستنداً إلى تأثير الصوت على «الأرواح الحيوانية».
 يُعد أول من وثق العلاج بالموسيقى سريرياً، ملاحظاً تحسن مرضى القلق عند الاستماع لألحان معينة، مستبقاً الموسيقى العلاجية الحديثة.
 
 
 
الطب النفسي 
 
 
يُعتبر الرازي أباً للطب النفسي الجسدي، حيث ربط الأمراض الجسدية بالعوامل النفسية بشكل منهجي.
 في عصرنا، يُدرس «الطب الروحي» كأساس لفهم الاضطرابات النفسية الجسدية مثل الاكتئاب المقنع أو القلق المزمن المسبب لأمراض قلبية. 
لاحظ أن الوسواس يؤدي إلى اضطرابات هضمية، واقترح علاجات سلوكية مثل تغيير العادات، مشابهة للعلاج المعرفي السلوكي الحديث. 
في علم النفس، يُشار إليه كرائد في فهم الإدمان كمرض نفسي جسدي، محذراً من الإفراط في الشهوات.
تأثير الرازي على الصيدلة الحديثة والكيمياء الطبية في الصيدلة، ابتكر الرازي مراهم الزئبق لعلاج الجرب، واستخدم الأفيون كمسكن، وأدخل الملينات. يُكرم كأول من استخدم الكحول للتطهير، مستبقاً نظرية التعقيم، في الكيمياء الحديثة، تصنيفه للمواد أساس للكيمياء التحليلية.
نقد الرازي للعلوم الزائفة والتنجيم