حصون وأسواق ومتاحف تحفظ ذاكرة المكان وتؤكد مكانته على طرق التجارة القديمة  بين الطبيعة والتاريخ والتراث
- الغساني لـ الوســـــــــط : مديرية ظفار حريصة على اطلاع الوفود الزائرة على أهم المعالم والمواقع السياحية والتراثية
- العامري: اللبان كان من أهم انواع التجارة في سابق الزمان ويضاهي تجارة الذهب والنفط في أيامنا هذه لقيمته العالية
- مشروع «الغارف» أحدث الوجهات السياحية البيئية في محافظة ظفار في قلب الطبيعة الساحرة

 
 
سمعتُ كثيراً عن «خريف ظفار»، ورأيت مقاطع الفيديو على السوشيل ميديا ورأيت صوراً جميلة كنت أظن أن الأمر لا يعدو كونه نوعاً من الدعاية السياحية المبالغ فيها لجذب الزوار إلى هذه المنطقة.
لكن ما إن وطأت قدماي صلالة الأسبوع الماضي، حتى أيقنت أن المثل العربي القديم «من سمع ليس كمن رأى» هو أصدق ما يمكن أن يصف هذه التجربة.
وبدعوة من وزارة التراث والسياحة العمانية لجريدة الوسط الكويتية ضمن الوفد الإعلامي الكويتي الذي ضم عدداً من الصحف الكويتية وتلفزيون دولة الكويت ووكالة الانباء الكويتية (كونا) لتغطية موسم خريف ظفار السياحي، حيث نظمت وزارة التراث والسياحة جدولاً للوفد الإعلامي زار خلال الزيارة التي استمرت ستة أيام عدداً من المناطق السياحية في محافظة ظفار والتي بدءت باستقبال حار في مطار صلالة من مسئولي وزارة التراث والسياحة والشركة المنفذة للبرنامج السياحي (مطيرح) وكانت البداية من ساحة الاحتفالات.
«عودة الماضي» 
رحلة عبر الزمن تستحضر أصالة ظفار وتراثها العريق في منطقة السعادة بولاية صلالة التي تطل على نافذة حية على ذاكرة المكان وتفاصيل الحياة العُمانية والظفارية القديمة، ففي أجواء الخريف التي تمتزج فيها نسمات الرذاذ بعبق التراث، تقدم الفعالية تجربة متكاملة تنقل الزائر بين بيئات محافظة ظفار المختلفة، وتعرّفه على أنماط الحياة القديمة وما ارتبط بها من مهن وحرف وفنون شعبية وعادات اجتماعية ظلّت حاضرة في وجدان المجتمع عبر الأجيال.
وتأتي «عودة الماضي» لتعيد إحياء تفاصيل الحياة الأصيلة في ظفار من خلال مشاهد واقعية تحاكي البيئات البحرية والحضرية والزراعية والريفية والبدوية، إلى جانب الأسواق القديمة وركن الأسر المنتجة وجمعيات المرأة العُمانية والمسرح الشعبي ومنطقة المطاعم والمقاهي. ولا تكتفي الفعالية بعرض المقتنيات التراثية، بل تمنح الزائر فرصة معايشة التجربة عبر عروض حية وأهازيج وفنون شعبية وحرف يدوية، بما يجعلها رحلة تعليمية وترفيهية في آن واحد، تربط الأجيال الجديدة بإرث الآباء والأجداد.
البيئة البحرية.. ذاكرة البحر وأهازيج الصيادين
ثم انتقل الوفد الإعلامي لمرفق سياحي اخر بالرحلة الى البيئة البحرية التي تجسد العلاقة الوثيقة بين الإنسان الظفاري والبحر، حيث تُعرض أدوات الصيد التقليدية والقوارب القديمة وصناعة الشباك، إلى جانب الفنون البحرية والأهازيج التي كان البحارة يرددونها أثناء رحلات الصيد لبث الحماس وروح التعاون. ومن بين هذه الفنون «الشبانية» و«الدواري»، إضافة إلى الألعاب الشعبية التي كان يمارسها الأطفال مثل الحواليس والصياد. كما تستحضر الفعالية مشهد «السفارة»، وهو استقبال المسافرين والتبشير بقدومهم، في لوحة تعكس فرحة الأهالي بسلامة الوصول وما يرافقها من أهازيج تعبّر عن الشوق والبهجة.
الحياة الحضرية.. زفة العريس وفنون البرعة
ثم انتقل الوفد للتعرف على البيئة الحضرية التي تتجلى فيها ملامح الحياة الاجتماعية في المدن قديمًا، حيث تُعرض طقوس الزواج التقليدية وزفة العريس وفنون البرعة والطبل وغيرها من الفنون التي كانت حاضرة في المناسبات الاجتماعية.
وتبرز هذه البيئة تفاصيل الحياة اليومية في الأحياء القديمة، وما اتسمت به من ترابط وتكافل وقيم اجتماعية أصيلة، إذ كان الفرح مناسبة جماعية يتشارك فيها الأهالي بالإنشاد والفنون وإحياء العادات التي شكّلت جزءًا مهمًا من ذاكرة المجتمع الظفاري.
البيئة الزراعية.. الأرض والمقايضة وروح التعاون
وذهب الوفد الإعلامي الكويتي للتعرف على البيئة الزراعية والتي تعكس ارتباط الإنسان الظفاري بالأرض وما جادت به من محاصيل اشتهرت بها المحافظة قديمًا، مثل المشلي «جوز الهند»، والموز، والبابايا، والليمون، إلى جانب عدد من الخضروات والفواكه. وتعرض البيئة عادات المزارعين وتعاونهم في أعمال الزراعة والحصاد، وإكرام الضيف بثمار المزارع ومنتجاتها، كما تبرز الأزياء التقليدية المرتبطة بحياة الأهالي في المزارع.
وتضم البيئة الزراعية مجموعة من الدكاكين القديمة التي كانت تمثل جزءًا من الأسواق التقليدية، منها دكاكين العسل والفواكه والخضروات والطيور والأغنام وبيع الفندال والبطيخ والمشلي والشتلات الزراعية، إلى جانب عرض أدوات الحراثة والري والحصاد التي استخدمها المزارعون قديمًا. كما تستعرض نظام المقايضة الذي كان سائدًا في الماضي، حيث يتم تبادل السلع والمنتجات بين الأهالي، في صورة تعكس روح التكافل والترابط التي ميّزت المجتمع الظفاري.
البيئة الريفية.. بيوت الجبال وأكلات التراث
وتأخذ البيئة الريفية الزائر إلى جبال ظفار، حيث تعرض البيت الريفي التقليدي الذي كان أحد أركان حياة الأهالي قديمًا، وقد شُيّد من مواد طبيعية متوفرة محليًا مثل الطين والحجارة والأخشاب.
ويضم البيت أدوات استخدمها السكان في حياتهم اليومية، مثل القربة لحفظ المياه والأوعية المصنوعة من سعف النخيل، بما يعكس بساطة الحياة وقدرة الإنسان على التكيف مع بيئته.
وتقدم البيئة الريفية طرق إعداد بعض الأكلات التراثية، من أبرزها المضبي وطبخ اللحم المجفف على فروع الشجر وطبخ الحليب بالحجارة الساخنة، إلى جانب عرض الملابس التراثية المعروفة بالصبيغة «النيلية» التي ارتداها الرجال والنساء، والخنجر أو المحفيف ضمن مكونات الزي التقليدي. كما تعرض البيوت المبنية من القش والحجارة والطين، والتي كانت توفر اعتدالًا في الصيف ودفئًا في الشتاء بفضل استخدام القش والتربال للعزل.
وتزخر البيئة الريفية بفنون شعبية ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية، مثل فن «الرقيد» الذي يؤديه الرجال في الأعراس، وفن «إيلي مقبول» الذي يقدم بشكل ثنائي، وفن «النانا» الغنائي الذي يؤدى فرديًا أو ثنائيًا، إضافة إلى «الدبرارت» بوصفه محاورة شعرية يتبادل فيها الشعراء القصائد ملحنة، إلى جانب الألعاب الشعبية التي يمارسها الأطفال مثل الطاب.
البيئة البدوية.. الخيمة واللبان وقوافل الصحراء
وتنقل البيئة البدوية الزائر إلى حياة الصحراء وما ارتبط بها من كرم وشجاعة وتكافل، وتنقسم إلى قسمين: الأول، يعرض الخيمة البدوية المصنوعة من صوف الحيوانات ومجلس الضيافة الذي يستقبل فيه أهل البادية ضيوفهم بالقهوة، في مشهد يبرز مكانة الضيافة في المجتمع البدوي. 
كما يضم معرضاً خاصاً باللبان يستعرض نموذجاً من شجرة اللبان ومراحل استخراجه وجمعه ورحلته عبر قوافل التجارة القديمة إلى مختلف دول العالم، إلى جانب الصناعات التقليدية مثل السعفيات والفخاريات وصناعة الجلود والقربة المستخدمة لحفظ الماء.
أما الثاني، فيوضح الحياة اليومية لأهل البادية من خلال الخيمة التي كانوا يعيشون فيها والمطبخ المبني بالحجارة، والملابس البدوية التقليدية مثل الخنجر والخيزام.
وتقدم البيئة عدداً من الفنون الشعبية، منها «التغرود» الذي كان يردد أثناء رحلات قوافل اللبان للتخفيف من مشقة السفر، و«ميراد الإبل» و«شداد الإبل» بوصفهما من الفنون الحماسية، إضافة إلى فن «الهبوت» الذي يؤدى في المناسبات الاجتماعية، مع تجسيد مراسم الزواج القديمة وعادة «المغبور» التي تتمثل في تقديم الإبل والأغنام هدية للعريس مساندة له.
الدكاكين القديمة.. تفاصيل الحياة اليومية
وتأخذ الدكاكين القديمة الزوار في رحلة إلى تفاصيل الحياة اليومية في الماضي، حيث يعرض محل الخياط ماكينة خياطة قديمة وأقمشة تراثية وملابس تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ويقدم طريقة تفصيل الملابس النسائية كما كانت قديماً، مع التعريف بمسميات الأقمشة الشعبية مثل «أبو تفاحتين».
كما تضم الدكاكين البقالة القديمة بما تحتويه من منتجات كانت تباع في ذلك الزمن، مثل زجاجات المشروبات الغازية القديمة، فيما يعرض الاستوديو القديم أدوات التصوير التقليدية ومرحلة طبع الصور التي وثقت ملامح الحياة.
وتحضر كذلك عيادة «الدختر» أو الطبيب الشعبي، التي تعرض طرق العلاج بالطب الشعبي والأدوات والأعشاب والزيوت الطبيعية التي كانت تستخدم قديماً.
ويبرز مكتب البريد القديم رحلة توصيل الرسائل والطوابع القديمة، فيما يعرض «الكتّاب» أو المدرسة القديمة بدايات التعليم وتحفيظ القرآن الكريم للأطفال.
كما يبرز بيت الوالي دوره في متابعة أحوال الأهالي وحل قضاياهم، من خلال مشاهد تمثيلية تعكس علاقة المجتمع بمؤسساته التقليدية.
سوق الفرضة وجمعيات المرأة العُمانية
ويحتضن الموقع سوق الفرضة، الذي يمثل إضافة مميزة ضمن فعاليات «عودة الماضي»، إذ يعيد أجواء الأسواق القديمة من خلال مشاركة الأسر المنتجة التي تعرض منتجات محلية وحرفًا يدوية وصناعات تقليدية، إلى جانب المأكولات الشعبية الظفارية واللبان والبخور والعطور والمجامر والملابس والإكسسوارات النسائية.
ويمنح السوق الزائر فرصة للتعرف على منتجات الأسر العُمانية ودورها في حفظ الحرف التراثية وتسويقها بأسلوب قريب من روح الماضي.
كما يضم الموقع ركن جمعيات المرأة العُمانية، الذي يجسد هوية المرأة العُمانية ودورها في الحفاظ على التراث والموروث الشعبي، بمشاركة جمعيات من عشر ولايات بمحافظة ظفار، من بينها صلالة وطاقة وغيرها. وتعرض كل ولاية منتجاتها التي تشتهر بها، مثل العطور والملابس التقليدية والمشغولات اليدوية والحرف النسائية والأكلات الشعبية، في لوحة تعكس تنوع التراث الظفاري وإبداع المرأة العُمانية في صونه وتطويره.
منتزه البليد الأثري
وقال رئيس منتزه البليد الأثري سعيد العامري للوسط، حقيقة لما نتكلم عن هذا المنتزه فمن المهم جدا أن نوضح هو ضمن مواقع أرض اللبان التي تم ادراجها في قائمة اليونسكو عام 2000 بالاضافة إلى ثلاث مواقع اخرى تحت مسمى مواقع أرض اللبان، وأضاف العامري أن المنتزه يعتبر من أهم المواقع السياحية في السلطنة، لما يتميز به هذا المنتزه من مقومات سياحية وأيضا أهمية تاريخية وحضارية وثقافية، مشيراً إلى أن مدينة البليد الأثرية يرجع تاريخها إلى عصور مختلفة بداية من العصور البرونزية منذ العام 2500 قبل الميلاد وصولاً إلى العصور الحديدية ثم العصور الاسلامية.
 وذكر العامري، أن المنتزه يتكون من مدينة البليد الأثرية ومتحف أرض اللبان بشقيه بقاعة التاريخ والقاعة البحرية وهي اطلالة شاملة على تاريخ عمان بشكل عام، إضافة إلى خور البليد وهذا الخور يستطيع الزائد التعرف على مكوناته من خلال القوارب الموجودة، لافتا إلى وجود عربات كهربائية يستطيع الزائد استغلالها للتجول داخل المنتزه بكل أريحية.
جامع البليد
وذكر العامري أن الموقع يتضمن كذلك جامع البليد والذي بني عام 850 ميلادي، منوهاً إلى أن الجامع يحتوي على 144 عامود ومساحته 1742 متر مربع، وهو قريب من حصن البليد وهو مقر إقامة الحاكم آنذاك، كما أن المدينة تحتوي على أكثر من 52 مسجد موزعة على المدينة.
متحف أرض اللبان
بدوره قال رئيس قسم خدمات الزوار في متحف أرض اللبان للوسط عبدالله بامخالف: إن المتحف تم افتتاحه في 23 يوليو 2007، ويتكون من قاعتين الأولى قاعة التاريخ والتي تحكي تاريخ عمان بشكل عام، من العصر الحجري وصولاً إلى عصر الاسلام، وهناك نسخة من رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم التي دعا فيها أهل عمان للإسلام والذي دخلوا الاسلام طواعية دون حرب.
 وأضاف عبدالله بامخالف: نتكلم عن أنواع اللبان في محافظة ظفار وهي اللبان الحوجري والنجدي والشذري والشعبي، طبعا هذه الأربع أنواع الموجودة في ظفار وكل اسم يعود إلى المكان الموجود فيه، فالحوجري نسبة إلى وادي حوجر خلف جبل سمحان، والنجدي في هضبة نجد، والشذري في المناطق الشذرية، والشعبي نسبة إلى شعاب الوديان.
 وأضاف أن اللبان كان من أهم انواع التجارة في سابق الزمان، يضاهي تجارة الذهب والنفط في أيامنا هذه، لقيمته العالية، لافتا إلى أنه كان يستخدم عدة استخدامات منها الطبية واستخدامات التطيب والبخور
وذكر أن أفضل أنواع اللبان هو الحوجري الذي يستخدم في التداوي والبخور وغيرها من الاستخدامات. 
بدوره قال مدير الترويج السياحي بالمديرة العامة للتراث والسياحة في محافظة ظفار، مروان الغساني للوسط: إن المديرية حريصة على اطلاع الوفود الزائرة على أهم المعالم والمواقع السياحية و التراثية في المحافظة، وزيارة مختلف الولايات التي يغطيها موسم “خريف ظفار»، وأيضاً كانت هناك زيارات لأهم المشاريع التي تم تدشيها خلال الفترة الماضية، وزيارات لأهم الفعاليات التي تنظمها بلدية ظفار.