أكد سفير المملكة المتحدة لدى دولة الكويت قدسي رشيد أن بلاده غيّرت موقفها من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في إطار مساعيها للحفاظ على حل الدولتين، مشيراً إلى أن الموقف الرسمي البريطاني بات يعتبر الاحتلال نفسه غير قانوني وغير مقبول بموجب القانون الدولي، بعدما كان الموقف السابق يركز على عدم قانونية المستوطنات.
وشدد رشيد، خلال لقاء صحافي وفي إجاباته عن أسئلة الصحف المحلية، على التزام المملكة المتحدة بأمن الكويت واستقرارها، واستمرار التعاون الدفاعي بين البلدين، بما يشمل منظومة «رابيد سنتري» المضادة للمسيّرات، ودعم قدرات الدفاع الجوي والتدريب وتبادل الخبرات، مؤكداً أن العلاقات الثنائية تتجه نحو توسيع الشراكة في الاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة النظيفة والتعليم والرعاية الصحية.
أمن الكويت
وفي الشأن الكويتي ـ البريطاني، أكد رشيد أن التزام بلاده بأمن الكويت واستقرارها يتجسد في شراكة واسعة وممتدة تشمل التعاون الدفاعي والتدريب العسكري والتبادل المهني والحوار الاستراتيجي والتواصل الدبلوماسي الوثيق.
وقال إن بريطانيا وقفت إلى جانب الكويت خلال الأزمة مع إيران، وعملت بصورة وثيقة مع الشركاء الكويتيين لدعم الأمن والاستقرار الإقليميين، موضحاً أنها نشرت منظومة «رابيد سنتري» للدفاع الجوي والتصدي للمسيّرات في الكويت عقب الضربات الإيرانية في المنطقة، للمساعدة في حماية الأفراد والمصالح البريطانية والكويتية.
وأكد استمرار وجود المنظومة في الكويت منذ أبريل الماضي، مشيراً إلى أن العسكريين البريطانيين المسؤولين عن تشغيلها لا يزالون في البلاد، وسيواصلون العمل ضمن جهود الدفاع الجوي بالتنسيق مع الجانب الكويتي.
وأضاف أن المملكة المتحدة قدمت دعماً إضافياً من خلال قدرات «أوركوس» المضادة للأنظمة الجوية غير المأهولة، وواصلت تبادل الخبرات والتدريب والتجارب العملياتية لتعزيز جاهزية الكويت وقدرتها على مواجهة التهديدات المتغيرة.
المراقبة الجوية
وأوضح أن التعاون يشمل كذلك وجود ضباط بريطانيين للمراقبة الجوية في مركز عمليات الدفاع الجوي، وعسكريين بريطانيين يعملون مع نظرائهم الكويتيين وعسكريين من دول أخرى داخل مقار القيادة، للمساهمة في حماية المجال الجوي الكويتي، إلى جانب مباحثات تجريها شركات بريطانية مع الجهات العسكرية الكويتية بشأن تزويد البلاد بتقنيات دفاعية حديثة.
ولدى سؤاله عن عدد منظومات «رابيد سنتري»، أوضح أن الحديث يدور عن منظومة بريطانية واحدة موجودة في الكويت، وليست طائرة أو قطعة منفردة من المعدات، شارحاً أنها نظام متكامل يضم وسائل للرصد والكشف والتتبع والتصدي للمسيّرات، ويتواصل مع مقار القيادة لتحديد طريقة التعامل مع التهديدات الجوية.
وأشار إلى أن المنظومة البريطانية تغطي جزءاً محدداً من المجال الجوي الكويتي، لأن منظومة واحدة لا تستطيع تغطية البلاد بأكملها، لافتاً إلى وجود أنظمة أخرى لدى الكويت والولايات المتحدة والأردن تغطي مناطق مختلفة، فيما امتنع عن الكشف عن موقع المنظومة البريطانية.
وفي ما يتعلق بالتعاون في مجال الأقمار الصناعية، قال إن هناك تبادلاً للمعلومات والصور الفضائية، إلى جانب نقاشات بين الحكومات والقطاع الخاص بشأن إمكان توفير دعم إضافي. لكنه أوضح أن الأقمار الصناعية لا ترصد كل شيء، وأن الرادارات أكثر فاعلية في الكشف السريع عن الصواريخ الباليستية والمسيّرات المقبلة، نظراً إلى قصر المدة الزمنية بين إطلاق الصاروخ ووصوله، والتي قد تقل عن دقيقتين أو ثلاث دقائق.
دولة فلسطينية
وقال إن الحكومة البريطانية رأت ضرورة تغيير نهجها تجاه إسرائيل في ظل التهديد الذي تتعرض له فرص إقامة دولة فلسطينية، موضحاً أن وزير الخارجية البريطاني عرض ملامح هذا التغيير أمام البرلمان، وفي مقابلات صحافية، ثم خلال مؤتمر حزب العمال.
وأضاف أن وزير الخارجية انتقد علناً ما وصفه بـ«التطهير العرقي» الذي يمارسه مستوطنون في الضفة الغربية، لافتاً إلى أن الحكومة الإسرائيلية تتجاهل أحياناً ممارسات هؤلاء المستوطنين.
وفي ما يتعلق بغزة، قال إن وزير الخارجية تحدث عن وجود أدلة موثوقة على ارتكاب جرائم حرب، مؤكداً دعم المملكة المتحدة التحقيقات المستقلة في ما جرى، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية.
وأوضح أن تغيير الموقف البريطاني سترافقه إجراءات محددة، من بينها توسيع العقوبات المتعلقة بالمستوطنات غير القانونية، وحظر استيراد المنتجات القادمة منها إلى المملكة المتحدة، فضلاً عن منع الشركات البريطانية من تقديم خدمات تدعم تلك المستوطنات.
وبيّن أن الحظر سيشمل، على سبيل المثال، الإعلان داخل بريطانيا عن منازل في المستوطنات بغرض بيعها، وكذلك تقديم الخدمات المصرفية أو مشاركة شركات البناء البريطانية في مشروعات تدعم إنشاء المستوطنات أو توسعها.
توسع المستوطنات
وأشار إلى أن دولاً عديدة في المنطقة أعربت باستمرار عن قلقها إزاء توسع المستوطنات، ورحبت بجهود دولية أكثر قوة لدعم القانون الدولي والحفاظ على إمكان تحقيق حل الدولتين.
وعن التنسيق مع الكويت ودول الخليج بشأن منتجات المستوطنات، قال إن بريطانيا تبقى على اتصال وثيق بشركائها في المنطقة، ومن بينهم الكويت، بشأن مجموعة واسعة من قضايا الشرق الأوسط، لكن قرارات السياسة التجارية تبقى في نهاية المطاف من اختصاص كل حكومة.
وأضاف أن الحكومة البريطانية وسعت أيضاً نطاق القيود على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، موضحاً أن القيود السابقة كانت تركز على منع تصدير الأسلحة التي قد تُستخدم في العمليات العسكرية بغزة، فيما سيشمل النطاق الجديد الأسلحة التي قد تُستخدم في ترسيخ الاحتلال غير القانوني للضفة الغربية.
وأكد رشيد أن «الخطاب تغيّر، والسياسة تغيّرت، والإجراءات تغيّرت»، مشدداً في الوقت نفسه على أن هذه الخطوات لا تعني عداء بريطانيا لإسرائيل أو لشعبها، وأن بلاده لا تزال ترى في حل الدولتين الخيار القادر على تحقيق السلام وحماية مصالح الفلسطينيين والإسرائيليين معاً.
السابع من أكتوبر
وقال إن هجمات السابع من أكتوبر كانت مرفوضة، وإن حركة حماس لا ينبغي أن يكون لها دور مستقبلي في حكم غزة، مضيفاً أن لإسرائيل حقاً مشروعاً في الدفاع عن نفسها، لكن ذلك «لا يبرر ما شهدته غزة خلال السنوات الماضية». ولفت إلى أن وزير الخارجية البريطاني شرح موقفه أيضاً من منطلق هويته بوصفه يهودياً بريطانياً، مؤكداً إمكان دعم حق إسرائيل في الوجود وانتقاد تصرفات حكومتها في الوقت ذاته.
وأشار إلى أن بريطانيا ليست وحدها في تغيير موقفها، ذاكراً فرنسا وكندا ضمن الدول التي أشار إليها وزير الخارجية البريطاني، إلى جانب دول أخرى اتخذت خطوات بشأن المستوطنات أو تبحث اتخاذ إجراءات مماثلة.
الصواريخ الباليستية
وأضاف أن الصواريخ الباليستية قد تُحدث أضراراً كبيرة إذا أصابت أهدافها، لكنها أسهل نسبياً في الرصد والاعتراض، فيما تمثل المسيّرات تحدياً أكبر بسبب إمكان إطلاق أعداد كبيرة منها وصعوبة كشفها والتصدي لها.
وأكد أن بريطانيا تنظر إلى التعاون الدفاعي مع الكويت على مستويين: التعامل مع التهديدات القائمة حالياً، والعمل المشترك خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة على تطوير القدرات اللازمة لمواجهة التهديدات المستقبلية.
وأوضح أن العلاقة الدفاعية بين البلدين عميقة ومتعددة الجوانب، وتطورت على مدى عقود، وتشمل التدريب العسكري والتعليم الدفاعي والتعاون العملياتي والمشاورات الأمنية والحوار المنتظم رفيع المستوى بين القوات المسلحة والحكومتين.
وأشار إلى أن البعثة العسكرية البريطانية تمثل ركناً أساسياً في التعاون الدفاعي بين البلدين منذ أكثر من 30 عاماً، وأن أفرادها يقيمون بصورة دائمة في الكويت ويعملون مع القوات المسلحة الكويتية لتقديم التدريب والمشورة والخبرات في مجموعة واسعة من مجالات القدرات الدفاعية.
وأضاف أن البعثة واصلت تعاونها وتدريبها مع الشركاء الكويتيين، بمن فيهم الحرس الوطني، مؤكداً أن هذه الأنشطة تعزز القدرات وقابلية العمل المشترك وتسهم في الأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي. كما أشار إلى احتفاظ بريطانيا بوجود دفاعي مهم في المنطقة يعكس التزامها طويل الأمد بأمن شركائها الخليجيين.
مضيق هرمز
وعن مضيق هرمز، قال رشيد إن بلاده ناقشت هذا الملف مع الكويت، وإن إغلاق المضيق أمر مرفوض، داعياً إيران إلى فتحه فوراً ومن دون شروط وإعادة حرية الملاحة فيه. وأضاف أن تعطيل حركة الملاحة يلحق الضرر بالكويت والعالم، مؤكداً أن الحل يجب أن يكون دبلوماسياً عبر العودة إلى المفاوضات، وليس عسكرياً.
وشدد على أن المملكة المتحدة تعتبر الكويت شريكاً استراتيجياً وثيقاً وصديقاً قديماً، وأن أهمية الخليج لإمدادات الطاقة العالمية والتجارة الدولية تجعل التعاون مع الكويت والشركاء الإقليميين لدعم الأمن البحري وخفض التصعيد وحرية الملاحة أولوية مستمرة.
وأوضح أن بريطانيا تواصل الإسهام في الجهود الدولية لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر الممرات البحرية الرئيسية، وتبقى في حوار وثيق مع الكويت بشأن التحديات الأمنية الإقليمية، وتقيّم باستمرار كيفية توظيف التعاون الدفاعي والأمني والدبلوماسي لدعم الاستقرار والازدهار في الخليج.
وقال إن بلاده ملتزمة بالعمل مع الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي والمجتمع الدولي لحماية حرية الملاحة وطرق التجارة الدولية، مشيراً إلى أن الممرات البحرية الآمنة ضرورية للازدهار العالمي.
وأضاف أن المملكة المتحدة أدت دوراً قيادياً في إنشاء البعثة البحرية متعددة الجنسيات لمضيق هرمز، وتواصل العمل مع شركائها لتعزيز الأمن البحري، موضحاً أن قوة المهام متعددة الجنسيات تنفذ تدريبات وأنشطة للأمن البحري في محيط المضيق، للمساعدة في ردع التهديدات وطمأنة حركة الشحن التجاري ودعم التدفق الحر للتجارة وإمدادات الطاقة وفقاً للقانون الدولي.
تهديد السفن التجارية
وعن الخطوات التي قد تتخذها بريطانيا إذا استمرت التهديدات للسفن التجارية، قال إنها ستواصل العمل مع الحلفاء والشركاء لحماية حرية الملاحة والحركة الآمنة للسفن عبر المياه الدولية، بما يشمل الإسهام في ترتيبات الأمن البحري متعددة الجنسيات في مضيق هرمز ومحيطه.
وأكد أن الاستجابة البريطانية تخضع للمراجعة المستمرة، وأن بلاده مستعدة للعمل مع الشركاء الدوليين من خلال تدابير دبلوماسية وأمنية ودفاعية مناسبة لحماية الملاحة وتقليل المخاطر التي يتعرض لها البحارة وصون القانون الدولي.
وشدد على أن التحديات التي تواجه المنطقة لا يمكن لأي دولة معالجتها بمفردها، وأن التعاون الدولي ضروري لخفض التوترات وتعزيز الاستقرار وحماية النظام الدولي القائم على القواعد، مؤكداً دعم بريطانيا للحوار والدبلوماسية والعمل الجماعي بين الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يعزز التعامل مع التحديات المشتركة ويقلل مخاطر التصعيد.
اليمن وباب المندب
وفي ما يتعلق بالتطورات في اليمن وباب المندب، وصف رشيد الوضع الإقليمي بأنه غير مستقر، معرباً عن قلقه إزاء تحركات الحوثيين خلال الأسابيع الماضية، ومؤكداً إدانة المملكة المتحدة بصورة قاطعة الهجمات المتجددة على السعودية، بما فيها الضربات التي تستهدف البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، واستمرار تهديد الملاحة الدولية.
وقال إن هذه الهجمات تعرض المدنيين للخطر وتزعزع استقرار المنطقة وتهدد طرق التجارة الحيوية وإمدادات الطاقة، مشدداً على أن الحوثيين يمثلون تهديداً خطيراً لأمن الخليج وحرية الملاحة والاقتصاد العالمي.
ودعا الحوثيين إلى وقف هجماتهم فوراً والعودة إلى مسار المفاوضات بوساطة الأمم المتحدة، مؤكداً أن استمرار القتال لن يؤدي إلى نتيجة إيجابية، وأنه لا يوجد حل عسكري طويل الأمد، بل تسوية مستدامة تتحقق بالدبلوماسية والمفاوضات.
وأوضح أن بلاده تبقى على اتصال وثيق بالسعودية والكويت وشركاء خليجيين آخرين بشأن الدفاع الجوي والأمن البحري وحماية البنية التحتية الوطنية الحيوية، وأن هذا التعاون يشمل التدريب والتواصل الدفاعي وتبادل المعلومات والتنسيق بشأن التهديدات الإقليمية المشتركة.
دعم السعودية
وأضاف أن بريطانيا تدعم دفاعات السعودية كما تقف إلى جانب الكويت في مجال الدفاع، مشيراً إلى أن معدات دفاع جوي أرضية بريطانية وعسكريين بريطانيين كانوا موجودين في السعودية قبل الهجوم الأخير للمساعدة في التصدي لهجمات الصواريخ والمسيّرات.
وقال إنه استجابة لطلب الحكومة السعودية، وافقت المملكة المتحدة على توفير طائرة واحدة من طراز «فويجر» تابعة لسلاح الجو الملكي للتزود بالوقود جواً، لدعم الأنشطة الدفاعية السعودية في الدفاع عن المملكة والحكومة الشرعية في اليمن، بما يتيح للطائرات السعودية البقاء في الجو مدة أطول.
اتفاقية التجارة الحرة
وفي الملف الاقتصادي، قال رشيد إن تعميق الشراكة الاقتصادية بين الكويت والمملكة المتحدة كان إحدى أولوياته الرئيسية خلال العام الماضي، معرباً عن اعتزازه بالتقدم المحرز في تعزيز الروابط التجارية ودعم فرص الأعمال الجديدة في قطاعات متعددة والعمل مع الشركاء في البلدين لتشجيع الاستثمار والتجارة.
واعتبر اختتام المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي محطة مهمة تضع أسساً لعلاقة اقتصادية أكثر طموحاً في السنوات المقبلة.
وأوضح أن الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ بعد، وأن المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون، بما فيها الكويت، مطالبة باستكمال إجراءاتها المحلية اللازمة للتصديق عليها وتطبيقها في قوانينها، مؤكداً وجود التزام قوي لدى الجانبين بتوقيعها وتحقيق فوائدها في أقرب وقت ممكن.
وقال إنه لا يوجد حتى الآن موعد واضح لدخول الاتفاقية حيز التنفيذ، وإنه لا يرغب في التكهن بالتوقيت، معرباً عن أمله في إحراز تقدم خلال الأشهر المقبلة واستكمال الإجراءات بأسرع ما يمكن، مع تأكيده أن الموعد لا يزال غير محسوم.
وأضاف أن الاتفاقية تهدف إلى تسهيل التجارة والاستثمار وجعلهما أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع، وإزالة العوائق والرسوم وتيسير انتقال السلع والخدمات، وخلق فرص جديدة للشركات ودعم التنويع الاقتصادي والنمو طويل الأمد في البلدين.
وأشار إلى أن مكاسب الكويت تتجاوز التبادل التجاري لتشمل تعميق الاستثمار وتعزيز الشراكات في التمويل والتكنولوجيا والطاقة النظيفة ودعم طموحات التنويع الاقتصادي، بما يوفر منصة أقوى للنمو المشترك في صناعات المستقبل.