حاورها: المحرر الثقافي
ما موضوع روايتك "حي الحميدية"؟ وما الذي دفعك لاختيار هذا الموضوع؟
توثق الرواية أحداثًا سياسية في تاريخنا المعاصر في الفترة الزمنية الواقعة بين تسعينيات القرن الماضي حتى سقوط بغداد في عام 2003م، الرواية ترصد نبض الشارع العربي بشكل عام وتفاعله مع تلك الأحداث المهمة كتطورات الانتفاضة الفلسطينية، وأحداث 11 سبتمبر والحرب على العراق، مؤكدة أنه "لا يمكن بحال من الأحوال فصل شخصيات الرواية عن تلك الأحداث التي أثرت ولا تزال تؤثر على حياة الناس، وكان لها دور كبير في تشكيل وجدانهم ووعيهم، لذلك كان الاهتمام موزعاً بشكل متساوٍ ومتوازٍ بين تطور الشخصيات وبين تطور وتسارع الأحداث.
هل من صعوبات واجهتك خلال كتابة رواية تاريخية مثل "حي الحميدية"؟
الرواية التاريخية تتطلب الصبر والوقت والجهد كغيرها من الروايات ، اضافة الى التفرغ لصياغة الشخصيات وبناء الأحداث. كما تستلزم مواكبة التطورات في مختلف المجالات. الى جانب ذلك ، فهي تستدعي دراسة عميقة للتاريخ والاعتماد على مصادر موثوقة.
تعددت المواضيع المطروحة في رواية حي الحميدية كالغزو العراقي للكويت، هجمات الحادي عشر من سبتمبر، الانتفاضة الفلسطينية الثانية، الحرب على العراق..كيف تمكنت من دمج الأحداث التاريخية مع الشخصيات في روايتك؟
تمكنت من دمج الأحداث التاريخية مع مسار الشخصيات بجعل التاريخ خلفية حية تتفاعل معها الشخصيات، لا مجرد سرد زمني جامد، لقد اعتمدت على أسلوب التوثيق الروائي، حيث أدمجت الأحداث الكبرى مثل: الغزو العراقي للكويت، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والانتفاضة الفلسطينية الثانية، والحرب على العراق، كل ذلك ضمن مسار حياة الشخصيات، مما أضفى على السرد واقعية وعُمقاً إنسانياً، فالأحداث لا تأتي كحكايات منفصلة، بل تنعكس على الشخصيات في تفاصيل يومياتها، في قراراتها، في مخاوفها وآمالها.
كما لجأت إلى توظيف المنظور الشخصي، حيث تروي الشخصيات معايشتها للأحداث من زوايا مختلفة، مما يخلق تناغماً بين التاريخ والسرد الروائي. وهكذا، يصبح القارئ شاهداً على التاريخ لا عبر الوثائق والحقائق الجامدة، بل عبر العيون التي رأت والمشاعر التي تأثرت.
وأرى أن المزج بين الماضي الكبير والتفاصيل الصغيرة منح الرواية طابعاً إنسانياً، حيث لم تعد الأحداث مجرد خلفية زمنية، بل محركاً للحبكة ومؤثراً في مصائر الشخصيات، ليشعر القارئ بأنه يعيش معهم تلك اللحظات، بتوترها وارتباكها وأملها.
حدثينا عن أبرز القضايا التي تناولتها الرواية إلى جانب الأحداث السياسية.
الحقيقة أن الرواية فندت كل الادعاءات التي ألصقت تهمة الارهاب بالإسلام بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة الأميركية، خاصة بعد إعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته عن الحادثة، وتعرضت من خلال الرواية لمواضيع أخرى كالحب والسحر والفضيلة، أشعر أن رواية (حي الحميدية) ما هي إلا رحلة قطعتها عبر الزمان والمكان.
وماذا عن (بوح الزيزفون)؟
بوح الزيزفون.. مجموعة من القصص الواقعية لعوائل وأفراد تحولت ظروفهم إلى جحيم وتشتت شملهم لمجرد وقوعهم وسط صراع عنيف ليس لهم فيه قرار، سُحقت أحلامهم وطموحاتهم وذهبت أدراج الرياح. وهذاه نتيجة حتمية لأّي حرب ففي الحرب يغيب المنطق ويخرس القانون.
في قمة هذا الأسى والدمار وبمواجهة الموت تتجلى قيماً ومعاني إنسانية ربما لم تتجلَ في أوقات الرخاء، وتظهر هذه الإرهاصات تلقائيةً على تصرفات الشخصيات وأفكارهم وسلوكهم وفلسفاتهم للأحداث الدائرة.
تناولت المجموعة الحرب الدائرة في سورية منذ العام 2011 من خلال مجموعة من الأفراد تربط بعضهم صلات القرابة والجوار والصداقة في مدينة دير الزور والمدن السورية الأخرى. رصدت مسيرة كل شخصية على حدة وبينت أثر هذه الأحداث عليها كبشر يعيشون ظروفاً قاتمة وأجواء من الترقب والخوف. عرضت أدق تفاصيل حياة أبطال هذه المجموعة القصصية وصراعاتهم النفسية جراء تأثرهم بظروف هذه الحرب الشعواء. تفوح من هذه القصص روائح الدمار والموت وتتعالى أصوات النشيج والبكاء وتبرز مشاعر الخوف والمعاناة من خلال 28 شخصية نقتحم معها واقعاً مريراً.
في قصة "الباب" تحديداً جمعت نماذجاً من الأطراف المتنازعة جميعاً (الجيش الحر، داعش، النظام، النصرة، وشاب كردي) في مزرعة العجوز تيماء في خلال يومين متتالين حيث اضطرتهم ظروفهم المختلفة إلى اللجوء لهذه المزرعة، وحكيت قصة كل طرف من هذه الأطراف، ورأيه وتوجهه والأسباب التي دفعت به إلى هذا التوجه، كما سلطت الضوء على دورالعجوز تيماء التي استطاعت أن تجمع الأضداد وتماهي النقائض بسلاسة عجيبة وحكمة بالغة.
أما في قصة "بوح الزيزفون " وهي القصة التي خلعت أسمها على المجموعة بأكملها فيصحبنا البطل "كمال" من خلال دفتر مذكراته في جولة قاتمة أرّخت لواقعه المرير منذ العام 2011 وحتى العام 2022. حيث لم يكن بالحسبان أبداً أن تصل المآلات والمعاناة لهذا الحد بشخص بدأ حياته بكل رفاه وكمال. لقد دمرت الحرب والأفكار المنحرفة جيلاً من النماذج النبيلة وأحلاماً ومشاريعاً من المبدعين. وهنا استنبطت على لسان كمال قوله "لم تكن بداياتنا بمحض اختيارنا وقد لا تكون نهاياتنا كما نريد"
المجموعة القصصية مقسمة أبجدياً وفق أسماء الشخصيات وقد وثقت أيضا لأحداث قبل 2011 من خلال سرد تفاصيل بعض الشخصيات. امتدت حدود هذه القصص خارج مدن سوريا أيضا فلاحقت بعض أبطالها في بلادهم الأصلية وبلاد النزوح.
ما الرسالة التي أردت توصيلها للقراء من خلال مجموعة بوح الزيزفون؟
الأفكار والعقائد المنحرفة تمثل خطراً كبيراً قد تفتك بأمة إذا ما تهيأت لها الظروف في غفلة التهاون، وتهدم حاضر ومستقبل الأغنياء والفقراء، الحالمين والبسطاء على حد سواء وتملؤها بالفوضى والدمار.
من الأدباء الذين تأثرت بهم ريم الجمعة في كتاباتها؟ وما السمات التي جعلتها تولي اهتمامًا خاصًا بهم؟
تأثرت بعدد من الأدباء الذين أثروا في أسلوبي في الكتابة، ومن بينهم نجيب محفوظ. وتتمثل أسباب تأثري به في عدة سمات بارزة، منها ا لتصوير الواقعي العميق: لنجيب محفوظ قدرة فائقة على تصوير المجتمع العربي، خصوصًا طبقاته المتوسطة والفقيرة، بطريقة تجمع بين الواقعية والتأمل الفلسفي. .
التاريخ والتغيرات السياسية: جذبني اهتمام محفوظ بالتاريخ وتأثير الأحداث السياسية على الأفراد، وهو ما تجلى في روايتي حي الحميدية ولحن سبنمبر و في المجموعة القصصية (بوح الزيزفون)
الشخصيات العميقة والمركبة: تعجبني كثيرا قدرة محفوظ على بناء شخصيات ذات أبعاد نفسية معقدة، حيث تبدو شخصياتها، مثل سلطان في لحن سبتمبر، متأرجحة بين الماضي والحاضر، بين الحب والمبادئ، تمامًا كما نجد في شخصيات محفوظ التي تحمل صراعات داخلية قوية.
استخدام المكان كعنصر سردي: توظيف محفوظ للأحياء الشعبية كرمز للتحولات الاجتماعية ألهمني في وصفي للأماكن مثل حي الحميدية وبلد اللوز في لحن سبتمبر، حيث يتحول المكان إلى شاهد على تغير الزمن والأقدار
اللغة العميقة والبسيطة في آنٍ واحد: استلهمت من أسلوب محفوظ الذي يجمع بين العمق والوضوح، حيث أسعى جاهدة إلى تقديم لغة أدبية تحمل شحنات شعورية قوية دون تعقيد مفتعل.
كتبتِ الرواية في “حي الحميدية” والمجموعة القصصية في “بوح الزيزفون” هل يمكنك توضيح الفروق بين الرواية والقصة القصيرة؟ وأين تجدين نفسك في الرواية أم في المجموعة القصصية؟ ولماذا؟
تختلف الرواية عن القصة في عدة جوانب فالرواية عمل سردي مطول يتيح للكاتب تفصيل الأحداث والخلفيات والشخصيات بشكل موسع أما القصة فعادة ما تكون مختصرة، حيث تركز على حدث أو موقف محدد دون التعمق في التفاصيل الكثيرة. تعدد الشخصيات وتعقيد الحبكة: في الرواية تتعدد الشخصيات وتتطور على مدار الزمن، إضافة إلى حبكة معقدة تحتوي على عدة خطوط سردية تتداخل مع بعضها البعض. أما القصة فالباً ما تقتصر على عدد قليل من الشخصيات وتتبنى حبكة موحدة تركز على فكرة أو موقف معين. التعمق في الوصف والتحليل: الرواية توفر مساحة للغوص في النفس البشرية وتحليل الدوافع والعلاقات الاجتماعية، مما يجعلها أكثر قدرة على تصوير تعقيدات الحياة والمجتمع. عى حين أن القصة تعتمد أسلوباً مباشرًا يتناول الحدث أو الفكرة دون الكثير من التفصيل أو التحليل العميق. لا ننسى أيضا أن الهدف الفني والتأثير يختلف فعلى حين أن الرواية: تسعى إلى تقديم رؤية شاملة للعالم المحيط، وتتيح للكاتب بناء عوالم خيالية أو واقعية معقدة تعكس تعدد جوانب الحياة نجد أن القصة تهدف إلى إيصال رسالة محددة أو تصوير لحظة معينة، مما يجعل تأثيرها مباشرًا ومركزًا على الفكرة الأساسية.
وأنا شخصيا أفضل الرواية للفروقات التي ذكرتها.
كيف تنظرين إلى دور المرأة السعودية في المشهد الثقافي الجديد في ظل رؤية المملكة 2030؟
يشهد دور المرأة في المجتمع السعودي تحولًا ملحوظًا يتماشى مع الرؤية الجديدة للمملكة 2030، حيث عاد للمرأة دورها كعنصر أساسي في المجتمع. التغييرات التي جاءت بها رؤية 2030 لم تكن مجرد إصلاحات شكلية، بل هي عملية شاملة تُعطي المرأة السعودية فرصة للمشاركة في ميادين العمل، الثقافة، والسياسة. هذا التمكين لا يُعدّ انتصارًا فرديًا فحسب، بل هو خطوة نحو بناء مجتمع متوازن يعترف بمساهمات المرأة في تنمية الوطن.
أرى أن المشهد الثقافي السعودي في ظل رؤية 2030 بات أكثر تنوعًا وشمولاً، حيث يفتح المجال لظهور أصوات جديدة، وتحديدًا تلك الأصوات النسائية التي تحمل تجارب وقصصًا خاصة تُثري المكتبة الأدبية والفنية. وهذا يبرز أهمية دور المرأة كقائدة فكرية ومبدعة، قادرة على إعادة صياغة الهوية الثقافية للمجتمع.
المرأة السعودية اليوم تقف عند مفترق طرق يجمع بين احترام التراث والتمسك بالتقاليد، وبين الانفتاح على الحداثة والتجديد. هذا التوازن يُعدّ عاملاً رئيسيًا في إعادة تشكيل المشهد الاجتماعي والثقافي، حيث تُسهم المرأة في نقل الخبرات التقليدية إلى سياق معاصر يُشجع على الإبداع والابتكار.
باختصار، أنا متفائلة جدا بمستقبل المرأة السعودية، فالمرأة كانت ولا تزال محركًا أساسيًا للتغيير الإيجابي، ومساهِمةً جوهرية في رسم معالم الحياة في مجتمعها.
ننتقل لآخر إصداراتك (لحن سبتمبر) ما رمزية (سبتمبر) في الرواية؟
في رواية لحن سبتمبر، يحمل شهر سبتمبر دلالات عميقة ترتبط بتحولات بطل الرواية، سلطان، على المستويين العاطفي والمصيري، حيث يصبح هذا الشهر رمزًا للقاءات القدرية والفقدان المؤلم والتصالح مع الذات.
سبتمبر.. ميلاد الحب ولقاء القدر يمثل شهر سبتمبر البداية الحقيقية لقصة الحب التي جمعت سلطان برؤى، ففيه ولدت قصة حبه. لم يكن سبتمبر مجرد تاريخ في تقويم الأيام، بل أصبح لحظة مؤبدة في وجدانه، حيث تشكلت أولى ملامح العشق الذي سيظل يطارده كظلّ لا ينفصل عن روحه.
سبتمبر.. شهر الفقد والانكسار لكن كما كان سبتمبر شهر البدايات الجميلة، فقد كان أيضًا شاهدًا على لحظات الانكسار العاطفي، حيث خطف منه القدر روى، بعد أن سلبت الخيانة فرصة اكتمال هذا الحب. في سبتمبر، وقعت لحظة الفقد الكبرى، حين وجد نفسه عاجزًا أمام غدر أخيه الذي بدد أحلامه، وأجبره على أن يسلك طريقًا لم يكن في الحسبان.
. سبتمبر.. عودة الماضي واختبار المبادئ
وبعد ثلاثين عامًا، يعود سبتمبر ليطرق باب سلطان من جديد، لكن هذه المرة ليس ليمنحه حبًا، بل ليعيد إليه ذكرى حب لم يمت رغم الزمن. عودة التواصل بينه وبين روى عبر تويتر تضعه أمام اختبار أخلاقي عميق، إذ يجد نفسه ممزقًا بين نداء القلب وصرامة المبادئ التي صقلتها سنوات الغياب. يصبح سبتمبر في هذه اللحظة مرآة يواجه فيها سلطان ذاته، متسائلًا عمّا إذا كان الحب يمكن أن ينهض من رماده، أم أن بعض المشاعر تُكتب عليها الأبدية، لكنها تبقى محكومة بالصمت.
سبتمبر.. المصير الأخير
ينتهي سلطان باللجوء إلى هدوء مزرعة شقيقته في حائل، حيث يحاول أن يجد إجابة للسؤال الذي رافقه طوال حياته: هل كان يمكن لهذا الحب أن ينجو؟ وبينما يتأمل أسطورة “أجا وسلمى"، يتلمس في مأساتهما امتدادًا لحكايته، فيدرك أن بعض الألحان تُعزف مرة واحدة في العمر، لكنها تظل ترن في الأذن إلى الأبد.