قال تعالى “إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار”  
خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته متوجها إلى بيت أبي بكر، وكان قد أخبره بالهجرة وبالموعد الذي سيغادران فيه مكة، وأمره أن يكتم عليه، ومن أوفى من أبي بكر بعهد قطعه مع رسول الله.
وكان أبو بكر رضي الله عنه ينتظر تلك الساعة بفارغ الصبر، وكان قلقا على الرسول خائفا أن يصيبه مكروه من القوم، ولكن الرسول كان محفوفا بالعناية الربانية، ولهذا خرج على القوم دون أن يتردد.

- لم يرسل الله ملائكة تحرس النبي وصاحبه ولم يسلط على القوم جيشا يردهم عن وجهتهم ولكن أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأرسل حمامتين فباضتا عليه
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» فالجهاد والنية والإيمان بالغيب والثقة في المستقبل هي روح الهجرة وجوهرها

 
وفي بيت أبي بكر الصديق وضع الرسول خطة كاملة للهجرة، وأعد لكل شيء عدته، لأنه – صلى الله عليه وسلم- يعلم أن اتخاذ الأسباب أمر يقتضيه كمال الإيمان وحسن التوكل، وعلى هذا الأساس وضع برنامج الهجرة.
كان لابد من سلوك طريق غير مألوفة حتى لا يعترضه أحد من أعدائه، فاستأجر لذلك الدليل – عبد الله بن أريقط- وكان ماهرا يعرف الطريق معرفة جيدة، وكان عبد الله مشركا، ومع ذلكَ ائتمناه على هذا السر الخطير، ووفى الرجل بعهده فلم يخن ولم يغدر، ولو فعل لم يلم لأنه على دين قومه، ولا يهمه أمر المسلمين في شيء، ورصدت قريش مائة ناقة لمن يأتي بمحمد حيا أو ميتا، وأبت نفس ابن أريقط أن يربح هذه الجائزة على حساب رجل ائتمنه ورضي بأجره المتفق عليه.
 
وكان لابد أن يختفي رسول الله فترة عن أعين الناس حتى يهدأ الطلب وتفتر الهمم في اقتفاء أثره فيتمكن من السير وهو آمن.
فأدلج إلى غار ثور، أقام فيه ثلاثة أيام، ولم ينس رسول الله أن يدبر أمر الطعام والشراب والأخبار في تلك الفترة التي سيقضيها في الغار، فجعل أسماء بنت أبى بكر -رضي الله عنها- لإعداد الطعام والشراب تأتيهما به ليلا حتى لا يراها أحد .
 
وجعل على أخبار القوم عبد الله بن أبي بكر، كان يسمع ما يدور في مجالس القوم نهارا ويعيه فإذا جاء الليل أتاهما بأخبار الناس وأعلمهما بما يتكلمون به، وعلى أساس هذه الأخبار يخطط للبقاء في الغار أو لمغادرته.
كان -صلى الله عليه وسلم- يخشى أن يرى أحد من المشركين أثار أقدام عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء فيستدل بها على مكانهما فأمر عامر بن فهيرة مولى أبي بكر أن يسرح بالغنم مبكرا على آثارهما فيعفى عليها، ويزيل ما قد يكون سببا في معرفة مكانهما، كما كان يريح الغنم عليهما ليلا فيذبحان منها، ويحلبان فيشربان.
ومع كل هذه الاحتياطات، ورغم كل التخطيطات وصل القوم إلى الغار، ولكن هل على الرسول وصاحبه لوم إذا عرف القوم مكانهما بعد ذلك، كلا، فقد اتخذا كل الاحتياطات اللازمة وبذلا كل ما في وسعهما والله – سبحانه – بعد ذلك يتولى ما لم يقدرا عليه.
 
وصل المشركون إلى الغار، ورأى سيدنا أبو بكر – رضي الله عنه – أقدامهم فقال: “يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا”، والرسول يهدئ من روع أبي بكر ويقول: “يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا”  
لقد كان رسول الله في ثقة تامة بالله -عز وجل- وكيف لا وهو لم يهمل سببا من الأسباب، ولم يقصر في أمر يستطيعه، وأكثر من هذا فقد كان خروجه بأمر الله، والله – تبارك وتعالى – لا يضيع نبيه أبدا.
لهذا كان الرسول يخاطب أبا بكر وهو موقن أن الله لن يضيعهما ولابد أن يرد عنهما عدوهما، وقد كان.
وتولى الله صرف المشركين عن الغار، أما كيف؟ وبماذا؟؟ فهذا ما لم يخطر لأحد على بال. لم يرسل الله ملائكة تحرس النبي وصاحبه، ولم يسلط على القوم جيشا يردهم عن وجهتهم. ولكن أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين فباضتا عليه .
 
وتنازع المشركون أمرهم بينهم، هذا القائف يقول: قد دخلا هنا، وهذا العنكبوت والحمام يوحي إليهم بكذب القائف، حتى قالوا: كيف يدخل الغار ولم يتكسر بيض الحمام، ولم يتمزق نسج العناكب، ولو صح أنهما دخلا قبل بيض الحمام ونسج العنكبوت. فهل يتمكن العنكبوت من نسج ذلكَ في تلك المدة الوجيزة، إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يغب عنهم إلا منذ يوم فقط، فكيف يستطيع العنكبوت نسج ذلك كله حتى يغطي فم الغار في يوم؟ ولو صح ببيض الحمام في هذا اليوم فإن ذلك يستحيل على العنكبوت.
لقد حسب المشركون الأمر بحسابهم المادي المعتاد، ولم يدروا أن لله جنود السماوات والأرض، وأن الخوارق طوع إرادته -سبحانه – {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}  .
وبهذا الأمر الكريم نسجت العناكب فوق ما يتصوره عقل الإنسان، وباضت الحمائم على وجه الغار، وهكذا صرف الله عن نبيه أعداءه بأوهى الأسباب، وأضعف المخلوقات، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}
 
 
دروس من وحي الهجرة النبوية
 
مفهوم “الهجرة” من بين المفاهيم التي ينبغي تجديدها وبناء الوعي الرسالي بمقاصدها والقيم البراقة والمعاني الرقراقة المستنبطة من هذا الحدث العظيم في تاريخ المسلمين، والذي يعد مبعثا ومنطلقا حضاريا لميلاد حقيقي للأمة الإسلامية.
وأما الهجرة في اللغة فقال الجوهري: الهجر ضد الوصل، والمهاجر  من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية، والتّهاجر هو التقاطع قال تعالى: (  وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) 
وأما الهجرة في المدلول الإسلامي هي الحدث الكبير الذي شكل منعطفا فارقا في تاريخ الدعوة الإسلامية، وهي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة، بعد الاضطهاد والتعذيب الذي تعرضوا له من طرق صناديد قريش.
 
 
أولا : التجرد والإخلاص لله تعالى
 
 
 أهم درس نتعلمه من هذا الحدث الكبير، لأنه فعل الهجرة ليس بالأمر السهل والبسيط، لأن فيه تركا للأموال والدّور والأبناء والأحبة وللغالي والنفيس من أجل رسالة الإسلام أي من جل الله ومن أجل رسوله صلى الله عليه وسلم، وهنا وقف الرسول الكريم لكي يؤكد على مضمون الهجرة ومقاصدها العالية بقوله في الحديث الصحيح “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
 
ومن مقاصد الهجرة النبوية المباركة هو البحث عن أرض طيبة لغرس بذرة الإيمان والتمكين للعقيدة التوحيدية الربانية، وتوفير الأمن والسلام للمؤمنين الذين اتبعوا هذا الدين القيّم، وإيجاد أنصار أقوياء أمناء يسهمون في بناء الدولة الإسلامية على أصولها الإنسانية والربانية
هذا الحديث يعد أساسا في الشريعة للتفريق بين العادات والعبادات وقد جعله بن حجر العسقلاني في مصنفه فتح الباري ركنا من أركان العمل التعبدي (كالصلاة والصيام والحج ..) وشرطا لصحتها لقبولها، فالأعمال أيها الأحبة صور قائمة وروحها ولبها هو نية الإخلاص والتجرد فيها لله تعالى.
 
 
ثانيا: اليقين والثقة بوعد الله تعالى
 
هذه القيمة كانت بارزة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه الصاحب والرفيق الأمين القوي ، وخاصة عندما أدركهما الكفار عند الغار فقال أبو بكر للنبي “لو نظر أحدهم أسفل قدميه لرآنا” فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم واثقا وموقنا بوعده ونصرته “يا أبا بكر .. ما ظنك باثنين الله ثالثهما” فصنع عند أبي بكر الصديق استشعار قيمة معية الله تعالى للمؤمن الصادق الناصر للحق القائم على الخير، فأنزل الله قرآنا يتلى إلى يوم القيامة يقول فيه الله تعالى “ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا” هذه الآية ينبغي أن تكون شعار للمسلم الرسالي والرباني في وجه التحديات والصعوبات التي يجدها في حياته، ينبغي أن يستحضر معية الله تعالى ونصرته وحفظه للمؤمنين، يتوكل على الله تعالى ويجتهد في التخطيط المحكم والأخذ بالأسباب الدنيوية.
 
 
ثالثا: النصرة والأخوة الإيمانية الصادقة
 
من بين الأهداف الإستراتيجية للهجرة هي البحث عن أنصار للدعوة الإسلامية، يقومون بحمايتها وإقامة رسالتها والإسهام في نشرها في الآفاق والدفاع عنها عند الأخطار والكروب، فكان للأنصار دور كبير في التمكين للدين ونصرة المؤمنين، فالمدينة أصبحت مركزا لدولة الإسلام ومنطلقا لقيمها وأحكامها ومهدا لحضارتها الراشدة، لذا سمي أهل يثرب بالأنصار لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة دين الإسلام.
 
وقد قدم الأنصار درسا كبيرا في ترسيخ وتحقيق قيمة الأخوة في الله تعالى وترجمة معانيها السامية المثالية إلى واقع عملي، وذلك حينما آخى النبي الأكرم بين المهاجرين والأنصار على التقوى والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبادر الأنصار إلى إيواء المهاجرين واقتسام المال والمسكن والزاد معهم بل والاجتماع على الحب في الله تعالى والولاء والوفاء من أجل خدمة الدين ونصرة الأمة.
 
  
 آفاق جديدة 
 
 يبقى معين الهجرة حيا لا ينضب ولا يتقادم كلما تبددت الأيام والسنون، حيث يكتشف الباحث والمتأمل آفاقا جديدة لمفهوم الهجرة ومحركاتها التربوية والحضارية من أجل استيعاب أوسع لفقه التدين والنصرة، فالهجرة قد انتهت بعد فتح مكة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية” فالجهاد والنية والإيمان بالغيب والثقة في المستقبل هي روح الهجرة وجوهرها ، فالنبي الكريم أعاد بناء مفهوم الهجرة من حدث زمني ومكاني إلى قيمة أخلاقية ووسيلة للوصول إلى معارج الكمال الرباني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أفضل الهجرة أن تهجر ما كره ربك عز وجل “.  وقال صلى الله عليه وسلم ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده المهاجر من هجر ما نهى الله عنه” رواه البخاري.
 
فينبغي للمؤمن أن يهاجر هجرة روحية ويرتقي في منازل الإيمان ومدارج المعرفة، هجرة فيها إرادة الفرار إلى الله تعالى والاقتراب من صفاته وأسمائه الحسنى، واتباع سنة رسوله الكريم والاقتداء به في أخلاقه وأحواله وجهاديته، قال ابن القيم كلاما نفيسا في مصنفه طريق الهجرتين : ” والهجرة هجرتان: هجرةٌ إلى الله بالطَّلَب والمَحبَّة، والعبودية والتوكُّل، والإنابة والتسليم والتفويض، والخوف والرجاء، والإقبال عليه، وصِدْقِ اللَّجَأ والافتقار في كلِّ نفَسٍ إليه، وهجرةٌ إلى رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في حركاته وسكناته، الظَّاهرة والباطنة؛ بِحَيث تكون موافِقَة لِشَرعه الذي هو تفصيل مَحابِّ الله ومَرْضاته، ولا يقبل الله من أحدٍ دينًا سواه، وكلُّ عمل سواه فعيشُ النَّفْس وحَظُّها، لا زادَ المعادِ”.
 
و قال العزُّ بن عبدالسلام في موسوعة نظرة النعيم  “الْهِجرة هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثْم والعدوان، وأفضلهما هجرة الإثم والعدوان؛ لِما فيها من إرضاء الرحمن، وإرغام الشيطان”.
 
وإن تدين المسلم يبنى ويتقوى بتقليب النظر في الآيات القرآنية والكونية وتجديد الفكر  وتثوير العقل وتحريكه من أجل اكتشاف معاني وآفاق جديدة لفهم الإسلام وترشيد التدين وشحذ الفاعلية للعطاء والعمل من أجل تحقيق الوجود الحضاري والصلح مع الأدوار الرسالة المنوطة بالمسلم في علاقته بالله تعالى وعلاقته بنفسه ومجتمعه وأمته والإنسانية جمعاء.