على وقع دوي المدافع وأزيز الطائرات المسيرة الذي لم يهدأ منذ فبراير 2022، تبدو الحرب الروسية - الأوكرانية وكأنها قد دخلت مرحلة تاريخية بالغة التعقيد؛ مرحلة تحولت فيها المواجهات المفتوحة إلى أشرس “حرب استنزاف” تشهدها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
ومع استمرار المعارك دون أفق واضح للحسم، لم يعد الصراع يقتصر على جبهات القتال في دونباس أو زاباروجيا، بل امتد ليصبح صراع إرادات دولية، يعيد تشكيل التحالفات الاستراتيجية، ويختبر صلابة الاقتصاد العالمي، ويفرض معادلات جديدة في موازين القوى.
عسكرياً، تبددت أوهام “الحسم السريع” لدى كلا الطرفين. فقد فرضت الجغرافيا العسكرية تكتيكات جديدة تعتمد على حرب الخنادق العميقة، وحقول الألغام الكثيفة، ما جعل أي تقدم ميداني، ولو لأمتار قليلة، يكلف خسائر بشرية ومادية فادحة.
وفي هذا المشهد المستعصي، برزت التكنولوجيا كلاعب حاسم؛ حيث تحولت سماء المعركة إلى ساحة مفتوحة لحرب الطائرات المسيرة (الدرونز) التي غيرت قواعد الاشتباك، ووفرت استطلاعاً مستمراً وقدرة على توجيه ضربات دقيقة لخطوط الإمداد، ما أسهم في إبطاء وتيرة الهجمات الكبرى وجعل الجبهات شبه متجمدة.
على الجانب الروسي، أثبت “اقتصاد الحرب” الذي انتهجته موسكو مرونة فاقت التوقعات الغربية. فرغم حزم العقوبات غير المسبوقة، تمكنت روسيا من إعادة توجيه صادراتها من الطاقة نحو الأسواق الآسيوية الضخمة (كالصين والهند)، وتكييف قاعدتها الصناعية لتلبية احتياجات المجهود الحربي، مما وفر للكرملين شريان حياة مالياً وعسكرياً يضمن استدامة العمليات.
في المقابل، تقف أوكرانيا أمام تحدٍ وجودي مزدوج؛ فإلى جانب الدمار الهائل الذي طال بنيتها التحتية وشبكات الطاقة لديها، يعتمد استمرار آلتها العسكرية وقطاعاتها الحيوية بشكل شبه كامل على شريان المساعدات المالية والعسكرية الغربية.
وهنا تبرز المعضلة الأكبر لكييف؛ فقد بدأ مصطلح “إرهاق الحرب” يتسرب بوضوح إلى أروقة صنع القرار في العواصم الغربية. ففي الولايات المتحدة، أصبح الدعم لأوكرانيا ورقة تجاذب حادة في السياسة الداخلية، بينما تواجه الدول الأوروبية ضغوطاً متزايدة من شعوبها نتيجة التضخم المستمر وتكاليف المعيشة المرتفعة، ما يخلق تباينات في المواقف حول حجم ونوعية الأسلحة التي يجب تقديمها، ومدى القدرة على تحمل التبعات الاقتصادية لسنوات إضافية.
ولم يكن الاقتصاد العالمي بمنأى عن ارتدادات هذه المواجهة؛ فقد أعادت الحرب رسم خرائط إمدادات الطاقة العالمية، وأبقت أسواق الغذاء والسلع الاستراتيجية في حالة من التذبذب والهشاشة. وباتت الدول النامية والناشئة تدفع الفاتورة الأكبر لهذا الصراع المستمر، عبر استيراد التضخم وارتفاع تكاليف التمويل.