في زمن تتعاظم فيه التحديات الإنسانية والاجتماعية، لم يعد العمل الخيري يكتفي بالمبادرات الفردية أو الموسمية، بل بات يتجه نحو بناء شراكات استراتيجية تعزز الاستدامة وتضاعف الأثر، ومن هذا المنطلق، تمضي نماء الخيرية بخطى واثقة نحو ترسيخ نموذج تكاملي يقوم على التعاون مع الجهات المحلية والدولية، إيمانًا بأن الشراكة ليست خيارًا تكميليًا، بل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وصون كرامة الإنسان.
في هذا الحوار، يتحدث عبدالعزيز الكندري نائب الرئيس التنفيذي في نماء الخيرية بجمعية الإصلاح الاجتماعي عن فلسفة الشراكات في نماء، وأهدافها، وأبرز نماذجها محليًا ودوليًا، والدور الذي تؤديه في دعم اللاجئين، وتمكين النزلاء، ورعاية الفئات الأولى بالرعاية داخل دولة الكويت وخارجها.

- الشراكة بين العمل الخيري والجهات الرسمية تعكس وعيًا وطنيًا بأن الاستقرار يبدأ من الإنسان نفسه
- نماء الخيرية تتجه نحو بناء شراكات استراتيجية تعزز الاستدامة وتضاعف الأثر

 
< بدايةً… ما فلسفة الشراكة في نماء الخيرية، ولماذا أصبحت أولوية في المرحلة الحالية؟
 - الشراكة في نماء الخيرية ليست مجرد توقيع مذكرات تفاهم، بل هي رؤية مؤسسية تنطلق من قناعة راسخة بأن العمل الإنساني المعاصر يتطلب تكامل الخبرات والموارد. التحديات الاجتماعية اليوم مركبة، ولا يمكن لمؤسسة واحدة أن تواجهها منفردة.
نحن ننظر إلى الشراكة باعتبارها وسيلة لتعظيم الأثر وضمان الاستدامة. فعندما تتكامل خبرة المؤسسة الأهلية مع الإمكانات التنظيمية أو الفنية لجهة رسمية أو دولية، ينتج نموذج أكثر احترافية وعمقًا في معالجة القضايا.
كما أن توجه دولة الكويت نحو الحوكمة والشفافية يعزز أهمية العمل المؤسسي المنظم، وهو ما يجعل الشراكات جزءًا أساسيًا من استراتيجيتنا المستقبلية.
<  كيف تصفون واقع شراكات نماء محليًا ودوليًا؟
- واقع الشراكات في نماء يشهد توسعًا نوعيًا، نحن لا نسعى إلى كثرة الشراكات بقدر ما نحرص على جودتها وفاعليتها، لدينا تعاون مع جهات دولية تعنى باللاجئين والتعليم والإغاثة، إلى جانب شراكات محلية مع وزارات وهيئات حكومية ومؤسسات مجتمع مدني.
دوليًا، نعمل مع منظمات معترف بها لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وفق المعايير الإنسانية المعتمدة عالميًا، ومحليًا، نركز على بناء برامج مشتركة تعالج قضايا الإصلاح والتأهيل والرعاية الاجتماعية وذوي الإعاقة، بما يعزز التكامل الوطني.
<  من أبرز الشراكات الدولية… التعاون مع مفوضية شؤون اللاجئين. ماذا تمثل هذه الشراكة لعمل نماء؟
- الشراكة مع مفوضية شؤون اللاجئين تمثل بعدًا استراتيجيًا مهمًا في عملنا الإنساني، خصوصًا في ملفات تعليم اللاجئين والإغاثة العاجلة.
في مجال التعليم، نسهم في دعم برامج تعليم الأطفال اللاجئين الذين حرموا من حقهم الأساسي في التعلم بسبب النزاعات، التعليم ليس مجرد خدمة، بل هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار المجتمعي.
أما في ملف الإغاثة، فقد كان لنا دور في دعم لاجئي الروهينجيا، إضافة إلى برامج إغاثة اللاجئين في تشاد، من خلال توفير الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية. هذه الشراكة تضمن أن الدعم يصل عبر قنوات معتمدة وشفافة، ويخضع لمعايير رقابة دولية دقيقة.
< كيف تقيمون أثر برامج إغاثة الروهينجيا واللاجئين في تشاد؟
- العمل في هذه البيئات يتطلب سرعة استجابة واحترافية عالية، وبرنامج مسح ميداني وذلك للتعرف على الأكثر احتياجاً خاصة في مخيمات الروهينجيا مثلًا، الدعم لا يقتصر على السلال الغذائية، بل يشمل خدمات صحية وتعليمية ومياه نظيفة، وفي بعض الأحيان هناك أيضا بيوت لهم ففي بعض المناطق أنشأت نماء الخيرية العديد من القرى السكنية.
وفي تشاد، حيث تتزايد أعداد اللاجئين بسبب النزاعات الإقليمية، نركز على توفير الاحتياجات الأساسية مع الاهتمام بالاستقرار المجتمعي داخل المخيمات، الأثر الحقيقي يقاس بمدى استعادة الأسرة لشعورها بالأمان والقدرة على الاستمرار في الحياة بكرامة، ودائما تسعى نماء الخيرية إلى القيام بمسوح ميدانية والاشراف على التوزيع من خلال فريقها وذلك للتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه.
على الصعيد المحلي… حدثنا عن الشراكة مع الديوان الوطني لحقوق الإنسان.
تعاوننا مع الديوان الوطني لحقوق الإنسان يعكس توجهًا نوعيًا لربط العمل الخيري بالإطار الحقوقي، نحن لا ننظر إلى المستفيد بوصفه متلقي مساعدة فقط، بل صاحب حق في الرعاية والتأهيل.
هذه الشراكة تهدف إلى تطوير برامج داخل المؤسسات الإصلاحية والاجتماعية، بما يعزز كرامة الإنسان ويعيد دمجه في المجتمع بصورة تحفظ حقوقه، وبالفعل وقعت نماء الخيرية مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون لخدمة فئات الرعاية الاجتماعية والعمل على ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان إلى جانب تطوير برامج الإصلاح والتأهيل والتمكين المجتمعي، و المذكرة تمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الشراكة الوطنية الهادفة إلى بناء مجتمع متماسك قائم على العدالة والتكافل مؤكدا التزام الجمعية بحماية كرامة الإنسان وتحويل مبادئ الحقوق والمساواة إلى برامج عملية تخدم الفئات المستفيدة
<  وماذا عن المشاريع المنفذة داخل المؤسسات الإصلاح بالتعاون مع وزارة الداخلية؟
- بالتعاون مع الديوان الوطني لحقوق الإنسان ووزارة الداخلية، نفذنا عددًا من المشاريع النوعية داخل السجن المركزي، من بينها مشروع “بيت العائلة” الذي يهيئ بيئة إنسانية للقاء النزيل بأسرته، بما يحافظ على الروابط الأسرية.
كما تم إنشاء فصول تعليمية وورش حرفية لتأهيل النزلاء مهنيًا، إضافة إلى تطوير مرافق رياضية مثل الملاعب، إيمانًا بأن الإصلاح لا يقتصر على العقوبة بل يشمل إعادة البناء النفسي والاجتماعي.
هذه البرامج تسهم في خفض نسب العود للجريمة، وتعزز فرص الاندماج الإيجابي بعد انتهاء فترة العقوبة.
<  كيف ترون أثر هذه المشاريع على الاستقرار المجتمعي؟
- عندما نتيح للنزيل فرصة التعليم والتأهيل والحفاظ على صلته بأسرته، فإننا نستثمر في أمن المجتمع، فالإصلاح الحقيقي هو الذي يحول التجربة السلبية إلى نقطة انطلاق جديدة.
الشراكة بين العمل الأهلي والجهات الرسمية في هذا المجال تعكس وعيًا وطنيًا بأن الاستقرار يبدأ من الإنسان نفسه.
<  ماذا عن التعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية؟
- التعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية الكويت يركز على دعم فئات الرعاية الاجتماعية داخل الدولة، نعمل على تنفيذ برامج تعزز التمكين الاقتصادي والاجتماعي، وتوفر دعمًا مباشرًا للأسر المحتاجة وفق آليات واضحة ومنظمة.
هذه الشراكة تعزز التنسيق وتمنع ازدواجية الجهود، وتضمن توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجًا بدقة وعدالة.
<  وكيف تتكامل جهودكم مع الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية؟
- لدينا تعاون مثمر مع الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في عدد من المشاريع الإنسانية، سواء داخل الكويت أو خارجها. هذا التكامل يوسع نطاق العمل ويعزز تبادل الخبرات.
العمل المشترك بين المؤسسات الخيرية الكويتية يعكس صورة حضارية لدور الكويت الإنساني عالميًا.
<  الشراكة مع الهيئة العامة لذوي الإعاقة… ما أبرز ملامحها؟
- التعاون مع الهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة يركز على تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز اندماجهم في المجتمع.
نعمل على دعم برامج تأهيلية وتوعوية، وتطوير مبادرات تعزز فرص التعليم والعمل، بما يتوافق مع المعايير الحقوقية الوطنية والدولية. الهدف هو الانتقال من مفهوم الرعاية إلى مفهوم التمكين.
<  ما التحديات التي تواجه بناء الشراكات؟ وكيف تتعاملون معها؟
- من أبرز التحديات اختلاف الإجراءات والأنظمة بين الجهات، إضافة إلى تعقيدات بعض الملفات الإنسانية في البيئات الدولية. لكننا نتعامل مع ذلك من خلال التخطيط المسبق، والوضوح في تحديد الأدوار، والالتزام بالحوكمة والشفافية.
الثقة المتبادلة عنصر أساسي، وهي تُبنى عبر الالتزام والنتائج الملموسة.
<  ما رؤيتكم المستقبلية لشراكات نماء؟
- نسعى إلى توسيع نطاق الشراكات النوعية، خصوصًا في مجالات التعليم ، والتمكين الاقتصادي، والدعم النفسي والاجتماعي، كما نطمح إلى تعزيز حضورنا في الشراكات الدولية المعنية بالتنمية المستدامة.
هدفنا أن تكون نماء منصة تكامل إنساني تجمع بين الخبرة المحلية والمعايير الدولية.
<  كلمة أخيرة تودون توجيهها؟
- رسالتنا أن الشراكة مسؤولية مشتركة، العمل الإنساني ليس جهد مؤسسة واحدة، بل هو مشروع وطني وأممي قائم على التكامل.
في نماء الخيرية نؤمن بأن كل شراكة ناجحة تعني فرصة جديدة لحياة أفضل لإنسان يحتاج إلى الأمل والدعم.
ونحن ماضون بعون الله في بناء جسور تعاون تصنع أثرًا مستدامًا… لأن الإنسان أولًا وأخيرًا هو محور كل تنمية.
 
 

 «من قيم نماء الخيرية»

التمكين… قيمة تصنع الفارق
في العمل الإنساني

 
 
في عالمٍ تتسارع فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، لم يعد العمل الخيري يقتصر على تقديم المساعدات الآنية أو تلبية الاحتياجات الطارئة فحسب، بل أصبح مسؤولية تنموية تتطلب رؤية بعيدة المدى، ومن هذا المنطلق، تتبنى نماء الخيرية بجمعية الإصلاح الاجتماعي قيمة “التمكين” باعتبارها حجر الزاوية في فلسفة عملها الإنساني.
التمكين في مفهومنا ليس مجرد مصطلح إداري أو شعار يُرفع في المناسبات، بل هو التزام عملي يعيد تعريف العلاقة بين المؤسسة والمستفيد. نحن لا ننظر إلى الإنسان بوصفه متلقيًا للدعم، بل نراه شريكًا في صناعة التغيير. فالفرق كبير بين أن تمنح إنسانًا معونة مؤقتة، وبين أن تمنحه القدرة على الاعتماد على نفسه، وصناعة مستقبله بيده.
إن التمكين يبدأ من الإيمان بقدرة الإنسان على النهوض مهما كانت ظروفه. فكل فرد يحمل في داخله طاقات كامنة تحتاج إلى من يكتشفها ويُحسن توجيهها. لذلك، نحرص في نماء على أن تكون برامجنا قائمة على بناء القدرات، ونقل المعرفة، وتعزيز المهارات، لا على تكريس الاعتماد الدائم على الدعم.
حين ندعم التعليم، فإننا لا نقدم مقعدًا دراسيًا فحسب، بل نفتح بابًا لمستقبل مختلف. وحين ننفذ برامج التدريب المهني، فإننا لا نمنح شهادة، بل نمنح فرصة كريمة للعمل والاستقلال. وحين نساند الأسر الأولى بالرعاية، فإننا لا نسعى إلى سد فجوة مؤقتة، بل إلى تحويلها إلى قصة نجاح مستدامة.
التمكين يعني أن ننتقل من مرحلة “المساعدة” إلى مرحلة “الاستثمار في الإنسان”، فالاستثمار الحقيقي ليس في المشاريع فحسب، بل في البشر الذين يشكلون عماد المجتمع وعندما نُمكّن الفرد، فإننا نُمكّن أسرة كاملة، ونبني مجتمعًا أكثر استقرارًا وثقةً بنفسه.
فالتمكين… هو وعدنا للمستفيد، ورسالتنا للمجتمع، ورؤيتنا لمستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.
 
 
 
قصة إنسانية

من خيمة على أطراف المخيم…
إلى مسؤول في  وطنه

 
 
لم يكن يتجاوز السابعة من عمره حين فقد والده في إحدى موجات النزوح القاسية التي اجتاحت قريته في إحدى الدول الإفريقية.
ليلة الرحيل كانت طويلة… أمٌّ تحاول أن تبدو قوية، وطفل يحدّق في الظلام وهو لا يفهم لماذا صار العالم فجأة بلا أب.
استقرّت الأسرة في مخيمٍ بسيط، خيمةٌ مهترئة لا تقي من حرّ النهار ولا برد الليل.
كان الصباح يبدأ بطابور الماء، وينتهي على ضوء مصباحٍ خافت.
لكن بين كل هذا، كان في عينيه شيء مختلف… نظرة تبحث عن فرصة.
في أحد الأيام، وصلت فرق نماء الخيرية إلى المخيم ضمن برامج كفالة الأيتام والدعم التعليمي.
لم يكن اسمه يومها سوى رقمٍ في كشف طويل، لكن قصته كانت أكبر من رقم.
بدأت رحلته بكفالة شهرية خففت عن والدته عبء السؤال، ثم بحقيبة مدرسية جديدة كانت بالنسبة له كنزًا حقيقيًا.
ولأول مرة، دخل المدرسة لا كزائرٍ خجول، بل كتلميذٍ يحمل حلمًا.
لم يكن الطريق سهلًا.
كان يدرس في فصول مزدحمة، ويعود ليساعد أمه، ويذاكر تحت ضوءٍ ضعيف.
لكن شيئًا ما في داخله كان يقول له: “أنت أكبر من هذا المخيم”.
مع السنوات، بدأت ملامح التميّز تظهر.
تفوق في الرياضيات والعلوم، وكان دائمًا الأول في فصله.
المعلمون لاحظوا عزيمته، ونماء واصلت احتضانه ضمن برامج الرعاية التعليمية المتقدمة.
انتقل من مرحلة إلى أخرى، من المخيم إلى المدينة، من مدرسة بسيطة إلى جامعة مرموقة في بلاده.
كان كل نجاح يحققه يحمل في داخله امتنانًا صامتًا… لكل يد امتدت له يومًا.
وفي يوم التخرج، لم يكن المشهد عاديًا.
الشاب الذي كان يقف في طابور الإغاثة، وقف الآن على منصة التكريم كأحد أوائل دفعته.
كانت والدته تبكي… ليس حزنًا هذه المرة، بل فخرًا.
لم تتوقف القصة هنا.
بعد سنوات من العمل والاجتهاد، حصل على فرصة للعمل في إحدى المؤسسات الحكومية الكبرى في بلاده، ثم تدرج في المناصب حتى أصبح مسؤولًا يشرف على برامج تنموية في مناطق كانت تشبه مخيم طفولته.
وفي أحد اللقاءات، قال عبارته التي تختصر الرحلة:
“كنت يومًا طفلًا ينتظر المعونة… واليوم أنا أعمل لأمنح غيري فرصة الانتظار الأقل وأملًا أكبر.”
عاد ذات يوم إلى المخيم نفسه، لا كنازحٍ هذه المرة، بل كضيف شرف في فعالية تنموية.
وقف أمام الأطفال وقال:
“لا تجعلوا الخيمة تحدد سقف أحلامكم.”
هذه ليست قصة مساعدة عابرة…
إنها قصة تمكين.
قصة طفلٍ تربّى في حضن العمل الخيري والإنساني، فصار جزءًا من صناعة القرار في وطنه.
وهكذا تؤمن نماء الخيرية أن كفالة يتيم ليست مصروفًا شهريًا…
بل استثمار في قائدٍ قادم.
لأن خلف كل يتيم اليوم… مسؤولٌ محتمل غدًا.