الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وجعل العلم نوراً يهدي به من يشاء من عباده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير معلم للبشرية، وعلى آله وصحبه أجمعين، الذين حملوا مشعل العلم والإيمان.
أيها الإخوة والأخوات الكرام،  في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والرحمة والمغفرة، شهر العتق من النيران والتزود بالحسنات، نرحب بكم في سلسلة حلقاتنا الرمضانية المباركة التي نخصصها لاستعراض سير وإنجازات علماء مسلمين عظماء، الذين أناروا العالم بنور علمهم، وأرسوا أسس الحضارة الإنسانية في عصر كانت فيه أوروبا تغرق في الظلام.
لقد حثنا ديننا الحنيف على طلب العلم، فقال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، و»العلماء ورثة الأنبياء». 
كان علماؤنا المسلمون في العصر الذهبي الإسلامي رواداً في الرياضيات والطب والفلك والفلسفة والكيمياء وغيرها، فأضاءوا الطريق للبشرية جمعاء، وأثبتوا أن الإيمان الحقيقي يقترن بالعلم والابتكار.
في كل حلقة من هذه السلسلة، سنغوص في حياة عالم مسلم فذ، نستعرض نشأته وإنجازاته العلمية وتأثيره على العالم، لنتعلم من تراثنا الغني، ونفتخر بمساهمة أمتنا في بناء الحضارة الإنسانية، ونستلهم منهم روح الاجتهاد والإبداع في عصرنا الحاضر.
إن استعراض سير هؤلاء العلماء في شهر رمضان له دلالة خاصة؛ فهو شهر التزكية والتأمل، وما أجمل أن نربط بين تزكية النفوس وتزكية العقول، فالعلم عبادة إذا اقترن بالإخلاص، والجهد في طلب المعرفة قربة إلى الله تعالى، كما كان حال أسلافنا الذين جمعوا بين خشية الله وعمق الفهم.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذه الحلقات في ميزان حسناتنا، وأن ينفع بها المسلمين، وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا في هذا الشهر الكريم، وأن يعيد علينا رمضان أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في خير حال وعافية.
 
 

- كتاب «تحقيق ما للهند» أعمق دراسة أنثروبولوجية للحضارة الهندية
- الآثار الباقية عن القرون الخالية سجل شامل للتقاويم والأديان
- قام بابتكار أدوات فلكية متقدمة لقياس الزوايا والارتفاعات
- صاحب المنهج التجريبي المقارن في حساب الكسوف والخسوف

 
وُلد أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في عام 973م في مدينة كاث عاصمة خوارزم (في أوزبكستان الحالية)، خلال عصر الدولة السامانية ثم الغزنوية الذي شهد ازدهاراً علمياً كبيراً. نشأ في بيئة غنية بالمعارف، تعلم اللغات العربية والفارسية والسنسكريتية واليونانية، وأتقن الرياضيات والفلك منذ الصغر. 
 
 
 
الاضطرابات السياسية
 
عاش حياة مليئة بالرحلات القسرية بسبب الاضطرابات السياسية، فانتقل من خوارزم إلى جرجان ثم غزنة تحت حماية السلطان محمود الغزنوي، الذي رافقه في حملاته إلى الهند مما مكنه من دراسة ثقافتها بعمق.
 رغم السبي والإقامة الجبرية أحياناً، حافظ البيروني على استقلاليته الفكرية، رافضاً التملق للحكام، مفضلاً البحث الحر. ألف أكثر من 146 كتاباً في مجالات متنوعة، توفي عام 1048م في غزنة، تاركاً إرثاً يُعد من أعظم الإنجازات العلمية في التاريخ الإنساني.
القانون المسعودي
برز البيروني في الفلك كعالم تجريبي دقيق، رفض الاعتماد على النظريات القديمة دون تحقق. 
في كتاب «القانون المسعودي» المخصص للسلطان مسعود الغزنوي، قدم أكبر موسوعة فلكية في عصره، تصحيح جداول النجوم والكواكب بدقة غير مسبوقة. 
ابتكر طرقاً لقياس زوايا الارتفاع باستخدام أدوات مثل الأسطرلاب الكروي والربع الجيبي، محسنًا دقة القياسات إلى دقائق قوسية. 
حساب حركة القمر والكواكب باستخدام المثلثات الكروية، مقترباً من فهم الاختلافات الإهليلجية، وأثبت أن الأرض تدور حول محورها من خلال ملاحظات تغير ارتفاع النجوم مع تغير الموقع الجغرافي، مستبقاً كوبرنيكوس بقرون. 
درس الكسوف والخسوف رياضياً، محاسباً توقيتها بدقة تصل إلى دقائق، مستخدماً طرقاً جبرية للحل.
 
 
 
 
قياس الأرض
 
أعظم إنجازات البيروني قياس نصف قطر الأرض بدقة مذهلة، في طريقته الشهيرة، قاس ارتفاع جبل في منطقة ناندنا (باكستان الحالية)، ثم قاس زاوية انخفاض الأفق من قمته باستخدام أداة دائرية كبيرة. 
باستخدام المثلثات، حساب أن نصف قطر الأرض حوالي 6339 كيلومتراً، قريباً جداً من القيمة الحديثة (6371 كم)، خطأ أقل من 1%. هذه الطريقة الهندسية التجريبية تفوقت على قياسات إراتوستينس القديمة، وأثبتت كروية الأرض بشكل قاطع، مع حساب محيطها بدقة عالية.
 كما قاس الكثافة النوعية للمعادن والجواهر باستخدام ميزان هيدروستاتيكي مبتكر، محاسباً حجم السوائل المزاحة، مستبقاً أرخميدس في التطبيق العملي.في الرياضيات، طور البيروني المثلثات الكروية كأداة فلكية، محاسباً الجيوب والظلال بدقة، وابتكر طرقاً لرسم الخرائط بإسقاط مخروطي.
 في كتاب «استيعاب الوجوه الممكنة في صنعة الأسطرلاب»، وصف عشرات التصاميم للأسطرلاب، مضيفاً تدريجات جديدة لقياس الزوايا الأفقية والرأسية. 
ساهم في الجبر بحل معادلات معقدة تتعلق بحركة الكواكب، وفي الهندسة بحساب مساحات الأشكال الكروية.
امتدت إسهاماته إلى الجغرافيا، حيث رسم خرائط دقيقة لآسيا الوسطى والهند، محاسباً خطوط الطول والعرض بناءً على رصد النجوم.
 في «تحديد النهايات لتصحيح المسافات»، قاس مسافات بين المدن بدقة، مستخدماً طرقاً مثل قياس زاوية الشمس في وقت واحد من موقعين.
 درس التضاريس والمناخ، ملاحظاً تأثير الارتفاع على الغليان، مستبقاً علم المناخ الجبلي.
أبرز ما يميز البيروني دراسته العميقة للحضارة الهندية في كتاب «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»، الذي كتبه بعد إقامة طويلة في الهند مع حملات محمود الغزنوي.
 تعلم السنسكريتية بنفسه، ترجم نصوصاً هندية قديمة مثل كتب الرياضيات والفلك، ووصف الديانة الهندوسية والبودية والجاينية بموضوعية نادرة، رافضاً التحيز الثقافي.
 قارن بين التقاويم الهندي والإسلامي واليوناني، محاسباً السنوات القمرية والشمسية، ودرس الفلسفة الهندية مثل مفهوم التناسخ والكارما بعقل نقدي، مقارناً إياها بالأفلاطونية. وصف العادات الاجتماعية والطبية والعلوم الهندية، ناقداً بعض المعتقدات كعبادة الأصنام لكنه مدح دقة الرياضيات الهندية مثل الصفر والأرقام العشرية.
 هذا الكتاب يُعد أول دراسة أنثروبولوجية مقارنة موضوعية في التاريخ، سبقت علم الأنثروبولوجيا الحديث بقرون.
الآثار الباقية
في كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، سجل البيروني تاريخ التقاويم والأعياد لدى شعوب مختلفة: المسلمين واليهود والمسيحيين والزرادشتيين والهندوس والصابئة. 
قارن بين الأساطير والتواريخ، محاسباً السنوات منذ الخلق حسب كل حضارة، وناقد التناقضات بعقلانية. درس الأديان المقارنة، مقارناً مفهوم الإله الواحد عبر الثقافات، رافضاً التعصب، معتبراً أن الاختلافات ناتجة عن الترجمة والتفسير البشري.
في علم المعادن، صنف البيروني الجواهر والمعادن في كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر»، وصف أكثر من 100 مادة مع كثافتها النوعية المقاسة تجريبياً، مستخدماً ميزاناً دقيقاً. ميز بين الأحجار الكريمة الطبيعية والمزيفة، ودرس تشكلها الجيولوجي، ملاحظاً تأثير الحرارة والضغط، مستبقاً علم الجيولوجيا الحديث.
امتدت فلسفته إلى نقد النظريات، رفض فكرة الأفلاك الصلبة، واقترح حركات كونية سائلة، مقترباً من النسبية. 
ترجمة الكتب
في الطب، ترجم كتباً هندية، وصف أعشاباً وعلاجات، مع نقد بعض الممارسات.
إرث البيروني هائل، أثر في ابن سينا والطوسي، ووصل إلى أوروبا عبر الترجمات، ملهماً كوبرنيكوس في قياسات الأرض وغاليليو في المنهج التجريبي. 
في العصر الحديث، يُكرم كأب للجيوديسيا والأنثروبولوجيا المقارنة، وسميت فوهة على القمر وكويكب باسمه.
يُعد أبو الريحان البيروني أحد أبرز رواد علم المعادن في التاريخ الإسلامي، حيث خصص كتابه الشهير «الجماهر في معرفة الجواهر» لدراسة شاملة ومنهجية للمعادن والأحجار الكريمة، وهو عمل يتجاوز 700 صفحة في النسخ المخطوطة.
 جمع فيه معلومات من مصادر يونانية وفارسية وهندية وعربية، لكنه لم يكتفِ بالنقل، بل أضاف ملاحظاته التجريبية الدقيقة التي رفعت المستوى العلمي إلى درجة غير مسبوقة. صنف البيروني أكثر من مائة نوع من الجواهر والمعادن، وصف خصائصها الفيزيائية مثل اللون واللمعان والصلابة والكثافة، معتمداً على تجارب شخصية أجراها في مختبرات غزنة والهند. 
أبرز إنجازاته قياس الكثافة النوعية لـ18 مادة معدنية وجوهرة بدقة مذهلة، مستخدماً ميزاناً هيدروستاتيكياً مبتكراً يعتمد على مبدأ أرخميدس لكن مع تحسينات هندسية تجعل القياس أكثر دقة. على سبيل المثال، قاس كثافة الذهب بـ19.05 (القيمة الحديثة 19.32)، والفضة بـ10.3 (الحديثة 10.5)، والزئبق بـ13.57 (الحديثة 13.59)، مع خطأ أقل من 1% في معظم الحالات، مما يعكس دقة أدواته ومنهجه.لم يقف البيروني عند الوصف، بل درس عمليات تشكل المعادن جيولوجياً، ملاحظاً أن الجبال تحتوي على بقايا بحرية مثل الأصداف المتحجرة في قمم عالية، مستنتجاً أن سطح الأرض يتغير عبر الزمن بفعل الزلازل والترسيب والرفع التكتوني، مستبقاً نظرية الصفائح التكتونية بقرون. 
وصف كيف تترسب الأملاح في البحار المغلقة، وكيف تتشكل الجواهر مثل الياقوت تحت ضغط وحرارة عميقة، رفضاً للأساطير القديمة عن «نضج» المعادن كالفاكهة. 
ميز بين الأحجار الطبيعية والمزيفة، وصف طرقاً للكشف عن التزييف باستخدام الوزن والحرارة، محذراً التجار من الغش. 
درس تأثير المناخ على المعادن، ملاحظاً أن الرطوبة تسبب صدأ الحديد، واقترح طرق حفظ مثل الطلاء بالزيوت.
في الكيمياء التطبيقية، ساهم البيروني في فصل المواد وتنقيتها، وصف عمليات التقطير والتسامي لاستخراج الجواهر النقية، مستخدماً أفراناً وأواني زجاجية متقدمة. رفض الخيمياء السحرية الهادفة لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، جادلاً بأن كل معدن له «طبيعة نوعية» ثابتة لا تتغير، مستنداً إلى تجاربه الفاشلة في المحاولات. 
هذا الموقف العلمي جعله يركز على الكيمياء الوصفية والتطبيقية، مثل استخدام المعادن في الطب والصناعة، وصف خواص الزرنيخ والكبريت في العلاجات، مع تحذيرات من سميتها.
امتدت دراساته إلى الجيولوجيا العملية، حيث قاس ارتفاع الجبال وانحدار الأنهار، ملاحظاً تأثير التعرية على تشكل الوديان، واستنتج أن الأرض كروية من تغير المناظر مع الارتفاع. 
في الهند، جمع عينات من المعادن النادرة مثل الماس، وصف قطعها وتلميعها، مقارناً بين الماس الهندي والأفريقي (رغم عدم معرفته بأفريقيا مباشرة). 
كتاب «الجماهر» لم يكن مجرد فهرس، بل عمل اقتصادي أيضاً، وصف أسعار الجواهر وأماكن استخراجها، مع نقد للاحتكار التجاري. 
هذه الشمولية جعلت الكتاب مرجعاً للجيولوجيين والمعدنيين حتى القرن التاسع عشر، حيث استشهد به علماء أوروبيون مثل أغريكولا في «دي ري ميتاليكا».
في سياق عصره، كان البيروني يجمع بين الملاحظة الميدانية والتجربة المخبرية، سافر إلى مناجم في آسيا الوسطى والهند، جمع عينات، وقاس خصائصها في غزنة. 
رفض الأساطير مثل «الجواهر تنمو في الأرض»، مفضلاً تفسيرات طبيعية، مستبقاً علم الجيوكيمياء. 
درس تأثير الماء على المعادن، وصف الينابيع المعدنية وخواصها العلاجية، مقترحاً حمامات معدنية للأمراض. هذه الدراسات أثرت في ابن سينا الذي بنى عليها في «الشفاء»، ووصلت إلى أوروبا لتلهم علم المعادن الحديث. 
تميز البيروني بفلسفة علمية ناضجة تركز على المنهج التجريبي والشك المنهجي، رفضاً للسلطات القديمة دون تحقق. في مقدمات كتبه، أكد أن العلم يتقدم بالتجربة والقياس لا بالتقليد، داعياً إلى «التحقق المستقل» لكل ادعاء.
 جادل بأن الحقيقة نسبية ثقافياً، لكنها مطلقة علمياً عند التحقق الدقيق، مستخدماً الشك كأداة للتقدم لا للإنكار. 
في «القانون المسعودي»، نقد أخطاء بطليموس في جداول الكواكب، مقترحاً تصحيحات بناءً على رصده الشخصي، رافضاً الدوائر الوهمية كحلول مصطنعة.
 رأى أن الكون يخضع لقوانين رياضية ثابتة، مقترباً من فكرة السببية الطبيعية دون تدخل خارق مستمر.
في فلسفته الإبستمولوجية، ميز البيروني بين المعرفة الحسية والعقلية، معتبراً الحواس أساساً لكنها تحتاج تصحيحاً عقلياً ورياضياً. درس الأوهام الحسية مثل انكسار الضوء في الماء، مستنتجاً أن الإدراك يحتاج قياساً دقيقاً. 
 
 
 
الخرافات والتنجيم
 
 
رفض الخرافات والتنجيم، جادلاً بأن حركة النجوم لا تؤثر على المصائر البشرية، مستنداً إلى عدم وجود علاقة سببية مدعومة تجريبياً. في دراسته للهند، طبق منهجاً مقارناً موضوعياً، رافضاً التحيز الإسلامي أو الغزنوي، معتبراً أن كل حضارة لها إسهاماتها، وأن الحقيقة تكتشف بالمقارنة لا بالإدانة.
نقد البيروني الأساطير الدينية بعقلانية، مقارناً قصص الخلق عبر الأديان، مستنتجاً أنها رموز ثقافية لا حقائق حرفية. دافع عن حرية الفكر، محذراً من التعصب الذي يعيق العلم، داعياً إلى تسامح معرفي.
 في «الآثار الباقية»، طبق فلسفة تاريخية، رأى أن التاريخ دوري يتكرر بسبب طبيعة البشر، لكن العلم يتقدم تدريجياً. 
درس مفهوم الزمن فلسفياً، مقارناً بين الزمن الدوري الهندي والخطي الإبراهيمي، مستنتجاً أن الزمن نسبي حسب الثقافة.
في الرياضيات الفلسفية، رأى البيروني الأعداد تجريداً عقلياً يصف الكون، مستخدماً الصفر الهندي كدليل على عبقرية بشرية مشتركة.
 نقد نظرية أرسطو في المكان والفراغ، مقترحاً أن الكون لا نهائي أو محدود بطريقة غير أرسطية. 
هذه الفلسفة أثرت في الغزالي وابن رشد، الذين ردّوا عليها، محولين النقاش الفلسفي في الإسلام.
البيروني عاش فلسفته عملياً، رفض المناصب للحفاظ على استقلاليته، كتب عن معاناته في السبي كدليل على قوة العقل في مواجهة الظلم. 
كانت رحلات البيروني جزءاً أساسياً من منهجه العلمي، حيث جمع بيانات ميدانية من خوارزم إلى جرجان إلى غزنة إلى الهند. 
 
 
رصد النجوم
 
 
في خوارزم، رصد النجوم منذ الصغر، قاس خطوط العرض لمدن متعددة. في جرجان تحت حماية الزياريين، ألف كتباً فلكية مبكرة. مع الغزنويين، رافق الحملات إلى الهند، عاش سنوات في البنجاب، تعلم السنسكريتية، زار معابد ومدارس، جمع مخطوطات. 
هذه الرحلات القسرية تحولت إلى فرص للرصد، قاس ارتفاعات جبال الهيمالايا، درس الأنهار مثل السند، ملاحظاً فيضاناتها وترسيبها.في الهند، أجرى قياسات جغرافية دقيقة، رسم خرائط للمناطق، قاس مسافات بين المدن باستخدام الظلال الشمسية.
 درس المناخ، ملاحظاً تأثير الرياح الموسمية، واقترح نظريات عن الدورة المائية.
 جمع عينات نباتية ومعدنية، وصف فلورا وفاونا الهند، مقارناً بالوسط آسيا. في غزنة، أنشأ مرصداً، رصد كسوفاً شمسياً عام 1019م، محاسباً توقيته بدقة.
هذه الرحلات مكنته من دراسات إثنوغرافية، وصف العادات الهندية مثل نظام الطبقات والزواج، بعقل موضوعي. 
 
 
إرث البيروني 
 
يُعد إرث البيروني خالداً، أثر في الطوسي وابن الشاطر في الفلك، وفي الأنثروبولوجيا الحديثة كأب للدراسات المقارنة.
 في أوروبا، وصل عبر الترجمات، ألهم كوبرنيكوس في قياسات الأرض، وكبلر في المثلثات. في العصر الحديث، يُكرم كأب للجيوديسيا، سميت فوهة قمرية وكويكب باسمه، وأقيمت مؤتمرات دولية. دراساته للهند أساس للإندولوجيا، ومنهجه مثال للعلم الموضوعي. 
 
 
أسّس علم الأنثروبولوجيا
 
رجع أبو الريحان إثر ذلك إلى موطنه واستقر في مدينة «جرجانية»، ثم التحق بمجلس العلوم الذي أقامه أمير خوارزم -التابع للدولة الغزنوية- مأمون بن مأمون. وكان ابن سينا، والمؤرخ والفيلسوف ابن مسكويه، يزاملانه.
في العام 1018، أرسل السلطان محمود الغزنوي بطلب البيروني وابن سينا، وغيرهما من العلماء، فكان له ذلك من باب واجب الطاعة. إثر ذلك، عاش أبو الريحان في غزنة (كابول حالياً) مشتغلاً بالفلك وغيره من العلوم.
وبسبب مرافقته السلطان خلال فتوحاته في بلاد الهند، استطاع أن يوسّع معرفته بعلوم الهند، خصوصاً بعدما عكف على دراسة لغتها، واختلط مع علمائها، واطلع على كتبهم في العلوم والرياضيات، ودرس جغرافيا البلاد، إضافةً إلى عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها.
كل تلك المعلومات عاد ودوّنها في كتابه الكبير «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»، المعروف اختصاراً باسم «كتاب الهند».
حتى بعد تولي السلطان مسعود بن محمود الغزنوي الحكم خلفاً لأبيه عام 1030، قرّب إليه البيروني، وألحقه ببلاطه، وأحاطه بما يستحق من مكانةٍ وتقدير؛ لدرجة أن أبو الريحان، عندما كتب موسوعته في علم الفلك، أطلق عليها «القانون المسعودي في الحياة والنجوم»، وأهداها إلى السلطان مسعود.
كان أبو الريحان البيروني مُتمكناً في كثير من العلوم، ويمكن القول إنه من مؤسّسي علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، من خلال براعته ودقة وصفه للإنسان الهندي المتبع للديانة الهندوسية، في مؤلفه الشهير «كتاب الهند».
فقد وصف فيه عقائد الهندوسيين وشرائعهم وعاداتهم المختلفة، في الزواج والأعياد ومأكلهم وملبسهم، مستفيداً في ذلك من المعلومات الضخمة التي جمعها خلال مكوثه لسنوات عدة في البلاد ومخالطته لأهلها.
ونجد أيضاً تلك الدقة في الوصف الأنثروبولوجي بكتابه «الآثار الباقية من القرون الخالية»، والذي سرد فيه تاريخ نظم الجماعات والطوائف المختلفة، وعاداتهم وتقاليدهم السائدة، وأبرز المواضيع التي تخصهم ضمن فصول متعددة.
وتناول فيه التقويمات التاريخية التي كان يستخدمها العرب قبل الإسلام، وتواريخ الملوك من عهد آدم حتى وقته، وفيه جداول تفصيلية للأشهر الفارسية والعبرية والرومية والهندية، كما يبيّن كيفية استخراج التواريخ بعضها من بعض.
العارف بكلّ شيء
برع البيروني أيضاً في علم الفلك، وقد كان من العلماء السبّاقين الذين تحدثوا عن كروية الأرض. وبحسب دراسةٍ أعدّها روبرت راسل نيوتن (وهو عالم فلك وفيزيائي أمريكي) عن البيروني، أشار فيها إلى أن الأخير أول من تحدث عن كروية الأرض ودورانها حول نفسها على محور مائل وحول الشمس.
يعتبر البيروني أيضاً مؤسّس الجيوديسيا، أي علم تقسيم الأرض، وهو فرع من الرياضيات التطبيقية يُعنى بالدراسة الجيولوجية لحجم الأرض وشكلها، وقياس أجزاء واسعة من باطنها وسطحها. 
وقد أجرى عدة بحوث في هذا المجال، وله رسائل علمية وكتب في توضيح قياس ورسم سطح الأرض وكيفية تعيين رسم المحيطات، وأبعاد المشاريع الهندسية، مثل: السدود، والقنوات.
اهتم كذلك بالفيزياء؛ ووفقاً لموقع «قصة الإسلام»، فمن بين المسائل الفيزيائية التي تناولها البيروني في كتاباته ظاهرة تأثير الحرارة في المعادن، وضغط السوائل وتوازنها، وتفسير بعض الظواهر المتعلقة بسريان الموائع، وظاهرة المد والجزر وسريان الضوء.
وأولى ملاحظاته في هذا الشأن كانت حول تأثير تباين درجة الحرارة في دقة أجهزة الرصد، التي تطرأ عليها تغيرات في الطول والقصر في قيظ النهار وصقيع آخر الليل. 
وفيما يتعلق بسريان الضوء فقد تنبه إلى أنّ سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت، واتفق مع ابن الهيثم وابن سينا في قولهما إن الرؤية تحدث عبر خروج الشعاع الضوئي من الجسم المرئي إلى العين وليس العكس. كما لفت إلى أنّ القمر جسمٌ معتم لا يضيء بذاته، وإنما يضيء بانعكاس أشعة الشمس عليه.
البيروني كان أيضاً عالماً نباتياً وصيدلانياً، وله كتاب مهم في هذا المجال اسمه «الصيدنة في الطب» عرّف من خلاله عن مهنة الصيدلي، قائلاً: «هو المحترف بجمع الأدوية على أحمد صورها واختيار الأجود من أنواعها، مفردة ومركبة على أفضل التراكيب التي خلدها مبرزو أهل الطب، وهذه هي أولى مراتب صناعة الطب».
وبحسب موقع إسلام أون لاين، فقد عرض البيروني في هذا الكتاب أسماء مجموعة كبيرة من الأدوية، مع شرح دور كل عنصر فيها وخصائصه، واسمه في اللغات المختلفة.
 وفي شرحه للعناصر نجد أموراً يوردها في بساطة على أنها من الأمور المشهورة والمعروفة عنده، وهي مما اكتُشف حديثاً، مثل حديثه عن «الإسرنج» وهو أكسيد الرصاص الأحمر، وكيف تؤثر النار فيه، وفعل الكبريت المنصهر أو بخاره في هذا الأكسيد، وتغيُّر لون الأكسيد في كل تجربة. 
كما وصف، في الكتاب ذاته، طريقة تحضير «الزنجار» وهي كربونات النحاس القاعدية وكيفية استعمالها في التهابات العيون، ووضّح الفرق بينها وبين كبريتات النحاس. وكيف أن الأولى تتحول إلى اللون الأحمر الغامق عند التسخين بعكس الثانية. 
 
 
المؤرخين العلميين 
 
العديد من المؤرخين العلميين الغربيين والمستشرقين اعترفوا بإسهامات البيروني في النهضة الأوروبية الحديثة. 
فقد وصفه الأمريكي ذو الأصول البلجيكية، جورج سارتون، في كتابه «مقدمة لدراسة تاريخ العلم» قائلاً: «لقد كان رحالة وفيلسوفاً، ورياضياً، وفلكياً، وجغرافياً، وعالماً موسوعياً، ومن أكبر عظماء الإسلام، ومن أكابر علماء العالم».
وقال عنه المستشرق الألماني كارل إدوارد سخاو: «أعظم عقلية عرفها التاريخ». وعن «كتاب الهند» الشهير، قال المستشرق الروسي فيكتور رومانو&<700;يتش روزن بأنه «أثر فريد في بابه، لا مثيل له في الأدب العلمي القديم أو الوسيط، سواء في الغرب أم في الشرق».
اختلف المؤرخون في وفاة البيروني، فذكر بعضهم أنه توفي في غزنة أواخر العام 1045، فيما قال آخرون  إنه عاش حتى سنة 1052.