يُعدّ القرآن الكريم أعظم معجزة خالدة في تاريخ البشرية، فهو كلام الله المنزل على نبيّه محمد &o5018;، الذي تحدّى به العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، فعجزوا عن الإتيان بمثله أو حتى بسورة من سوره. ولم يكن هذا التحدي مقصوراً على زمن نزوله، بل ظلّ ممتدّاً عبر القرون، يزداد إشراقاً كلما تقدّم العلم، وتتجلّى وجوه إعجازه في كل عصر بما يناسب معارف أهله ومستوى إدراكهم. ومن هنا كان إعجاز القرآن حقيقة متجدّدة، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.
إن إعجاز القرآن لا يقتصر على جانبٍ واحد، بل هو منظومة متكاملة تشمل البلاغة والبيان، والتشريع، والغيبيات، والإعجاز العلمي، والنفسي، والتربوي، بل وحتى الحضاري. فقد جاء بأسلوبٍ فريدٍ لم يعرفه العرب من قبل، يحمل في ألفاظه موسيقى خاصة، وفي تراكيبه دقة مذهلة، وفي معانيه عمقاً يتجاوز حدود الزمان والمكان. كما قدّم تشريعاً متوازناً يصلح لحياة الإنسان الفردية والجماعية، ويحقق العدل والاستقرار في مختلف الظروف، وهو ما يشهد له التاريخ حينما أقام حضارة إنسانية استمرت قروناً طويلة.
ومن وجوه إعجازه أيضاً إخباره بأمورٍ غيبية تحققت بعد نزوله، وإشارته إلى حقائق كونية لم يدركها الإنسان إلا في العصور الحديثة، الأمر الذي يدعو إلى التأمّل في مصدره الرباني. كما يخاطب القرآن النفس البشرية بلغةٍ عميقة، فيؤثّر في القلوب والعقول معاً، فيغيّر السلوك، ويهذّب الأخلاق، ويصنع الإنسان المتوازن روحياً وعقلياً.
وفي هذا السياق، تأتي هذه السلسلة الرمضانية لتسلّط الضوء على أبرز وجوه إعجاز القرآن الكريم، بأسلوب مبسّط يناسب القارئ المعاصر، ويجمع بين الأصالة والطرح الحديث، من خلال حلقات متتابعة نتناول فيها جوانب الإعجاز المختلفة، لنقف على عظمة هذا الكتاب، ونتعرّف أكثر إلى سرّ خلوده وتأثيره في البشرية. فكلّما تعمّقنا في تدبّره، ازددنا يقيناً بأنه كتابٌ لا تنقضي معجزاته، وأنه هدايةٌ ربانية للبشر في كل زمان ومكان.
 

 
- القرآن يعيد الإنسان إلى احترام الطبيعة  والنظر إليها باعتبارها أمانة
- الإعجاز في الجبال لا يعني تحويل القرآن إلى كتاب جيولوجيا بل أن نرى فيه دعوة للتفكر
- القرآن لا يستخدم لغة علمية تقنية بل لغة إنسانية شاملة لأنه يخاطب الإنسان في كل زمان

 
حين ينظر الإنسان إلى الجبال، قد يراها مجرد كتل صخرية شاهقة تزين سطح الأرض، أو أماكن للسياحة والتسلق. لكن القرآن الكريم قدّم صورة مختلفة تمامًا لهذه الظاهرة الطبيعية. فقد وصف الجبال بأنها أوتاد، وأن لها دورًا في استقرار الأرض. هذه الإشارات أثارت اهتمام العلماء والباحثين، ودفعت إلى التساؤل: هل تحمل هذه الأوصاف بعدًا علميًا سبق الاكتشافات الحديثة؟
هذه الحلقة تحاول أن تقدم قراءة متوازنة، تربط بين النص القرآني والمعرفة العلمية، دون مبالغة أو تحميل النص ما لا يحتمل.
الجبال في نظرة الإنسان القديم
في العصور القديمة، لم يكن لدى الإنسان أدوات لفهم بنية الأرض. كان يرى الجبال مجرد ظواهر ثابتة، أو يفسرها بأساطير وخرافات. بعض الحضارات اعتقدت أن الجبال هي أماكن الآلهة، أو بوابات العالم الآخر.
أما القرآن، فقد نقل الإنسان من عالم الأسطورة إلى عالم التفكير، ودعاه إلى التأمل في خلق الجبال، ودورها في توازن الأرض.
لماذا وصف القرآن الجبال بالأوتاد؟
تشبيه الجبال بالأوتاد من الصور البلاغية العميقة. فالوتد في اللغة هو ما يُثبت به الشيء ويمنع اضطرابه. هذا التشبيه لم يكن مجرد وصف جمالي، بل يحمل دلالة وظيفية.
العلم الحديث كشف أن كثيرًا من الجبال تمتد جذورها عميقًا داخل الأرض، وأن الجزء الظاهر منها يمثل جزءًا صغيرًا مقارنة بما هو في باطن الأرض. هذه البنية تشبه إلى حد بعيد فكرة الوتد.
وقد أشار بعض الجيولوجيين إلى أن الجبال تسهم في استقرار القشرة الأرضية، وتوازنها.
الجبال وتوازن الأرض
الأرض ليست كتلة صلبة واحدة، بل تتكون من صفائح تكتونية تتحرك ببطء. هذه الحركة قد تسبب الزلازل والبراكين. وجود الجبال يرتبط غالبًا بمناطق التقاء هذه الصفائح.
هذا التوازن الديناميكي يجعل الأرض صالحة للحياة. ولو كانت الحركة أعنف، أو بلا تنظيم، لكانت الحياة أكثر صعوبة.
القرآن أشار إلى أن الجبال تثبت الأرض، وهو وصف يتوافق في معناه العام مع هذا الدور.
الجبال والمناخ
من أوجه الإعجاز أيضًا أن الجبال تؤثر في المناخ، فهي تحجز السحب، وتؤدي إلى سقوط الأمطار، وتكوّن الأنهار. لذلك، نشأت حولها كثير من الحضارات.
كما أنها تسهم في تنوع البيئة، وظهور أنظمة بيئية مختلفة.
هذه الحقائق تجعل الإنسان يدرك أن الجبال ليست مجرد منظر طبيعي، بل عنصر أساسي في الحياة.
الجبال كمخازن للمياه
كثير من مصادر المياه العذبة تأتي من الجبال، حيث تتجمع الثلوج وتذوب تدريجيًا. هذا النظام الطبيعي يوفر الماء على مدار العام.
القرآن يشير إلى دورة الماء بطريقة تدعو إلى التفكير، ويربط بين الجبال والأنهار.
بين البلاغة والعلم
من المهم أن نلاحظ أن القرآن لا يستخدم لغة علمية تقنية، بل لغة إنسانية شاملة. فهو يخاطب الإنسان في كل زمان.
هذا الأسلوب يجعل النص صالحًا لكل عصر، دون أن يرتبط بنظرية محددة.
أثر هذه الرؤية في الإيمان
حين يدرك الإنسان أن الجبال لها وظائف عميقة، تتجاوز ما تراه العين، يتولد لديه شعور بالرهبة والإعجاب. هذا الشعور يقوده إلى الإيمان بأن الكون قائم على الحكمة.
القرآن لا يريد فقط أن يقدّم معلومات، بل أن يبني علاقة بين الإنسان والطبيعة.
الإنسان المعاصر والطبيعة
في عصرنا، قد ينظر الإنسان إلى الطبيعة كموارد فقط، لا كآيات. هذا يؤدي إلى استنزاف البيئة، وتدمير التوازن.
القرآن يعيد الإنسان إلى احترام الطبيعة، والنظر إليها باعتبارها أمانة.
الجبال في التجربة الروحية
كثير من الأنبياء كانت لهم علاقة خاصة بالجبال. ففيها الخلوة، والتأمل، والابتعاد عن ضوضاء الحياة.
وقد نزل الوحي لأول مرة على محمد &o5018; في غار حراء، وهو في جبل بعيد عن صخب مكة. هذه اللحظة التاريخية تربط بين الجبال والوحي.
كما ارتبطت الجبال بقصص أنبياء آخرين، مثل موسى، حين تلقى الوحي في جبل الطور.
رمضان.. دعوة للتأمل في الطبيعة
في هذا الشهر الكريم، يمكن للإنسان أن يقترب من الطبيعة، أن يتأمل في الجبال والبحار والسماء. هذه التجربة تعيد التوازن للنفس.
الصيام ليس فقط امتناعًا عن الطعام، بل رحلة داخلية.
نحو رؤية متوازنة للإعجاز
الإعجاز في الجبال لا يعني تحويل القرآن إلى كتاب جيولوجيا، بل أن نرى فيه دعوة للتفكر، وإشارات عامة تفتح أبواب البحث.
هذا المنهج يجعل الإيمان أكثر عمقًا، ويجنبنا الوقوع في المبالغة.
رسالة الحلقة
الجبال ليست مجرد أحجار، بل رسائل عن الثبات، والتوازن، والصبر.
في عالم سريع التغير، قد نحتاج إلى أن نتعلم من الجبال: الثبات على القيم، والهدوء في مواجهة العواصف.