في قلب حي الفاتح العريق بمدينة إسطنبول التركية، حيث تتقاطع الحياة اليومية مع ملامح التاريخ العثماني، تختبئ بين الأزقة القديمة حكايات تتجاوز جدران المساجد وصخب الأسواق.
ومن بين تلك الحكايات، يبرز مسجد صغير في حجمه، عظيم في رمزيته، يعرف باسم “صانكي يدم” أو بالعربية “كأنني أكلت”، والذي شيد في القرن الثامن عشر، ولا يتميز بتصميم معماري فخم أو زخرفة متقنة، بل يستمد شهرته من قصة فريدة تجسد قيمة الزهد والادخار، وتبرز كيف يمكن لتضحيات بسيطة أن تترك أثرا خالدا في ذاكرة المدينة.
وبحسب الراويات تعود قصة المسجد إلى رجل كان يعيش في حي الفاتح، يقال إن اسمه خير الدين كتشجي أفندي، وتقول رواية أخرى إنه شاكر أفندي، وكان يتمنى أن يبني مسجدا على نفقته، ويبدو أن الرجل كان ضعيف الحال ماديا، فكان كلما مشى في السوق، وتاقت نفسه إلى شراء لحم أو حلوى أو فاكهة، قال ممنيا نفسه “صانكي يدم - yedim sanki”، أي “كأني أكلت” ويعرض عن الشراء، ثم يضع ثمن ما أراد في صندوق خاص داخل منزله.
وبقي هذا السلوك ملازماً له سنوات طويلة، حتى جمع من خلال هذا التوفير البسيط ما يكفي لبناء مسجد صغير يخدم أهل منطقته، وقد تحقق حلمه بعد ما يقارب عشرين عاماً.
ويؤكد القائمون على المسجد أن رسالته لا تقتصر على أداء الشعائر الدينية، بل تمتد لتكون مساحة للسكينة والتلاقي الاجتماعي، وهو ما يفسر هذا الارتباط العاطفي الواضح بين المسجد ورواده.
وقال إمام المسجد خطيب عبدالله كوتلو أوغلو في حديث لوكالة الأنباء القطرية “قنا”: إن “المسجد يحمل رسالة واضحة عن قيمة التوفير والادخار؛ وأن الإنسان لو أنفق كل ما يجده أو يكسبه، فقد يصبح يوماً ما محتاجا إلى غيره”.
وأضاف أن هذا المسجد نموذج جميل لقيمة الادخار، وأن الأجداد تركوا لنا أثرا خالدا يجسد هذه الفكرة.
من جهته، أوضح أستاذ التاريخ العثماني إبراهيم بازان أن كتشجي أفندي استلهم فكرته من تقليد عثماني شائع بين السلاطين والأثرياء الذين كانوا يحرصون على بناء المساجد ووقفها للناس بعد وفاتهم، ليتركوا أثراً طيباً يخلد ذكراهم.
وتابع: رؤيته كانت واضحة؛ أراد مسجداً يخدم أهل حيه، يجتمعون فيه للصلاة، ويتلقى فيه الأطفال حلقات تحفيظ القرآن الكريم. كانت المنطقة بحاجة ماسة إلى مسجد، وقد لبى هذه الحاجة من ماله القليل، ولكن بإرادة عظيمة.
ورغم بساطة تصميمه وافتقاره للزخرفة، فإن للمسجد حضوراً مميزاً. تبلغ مساحته نحو 200 متر مربع، ويتسع لمئتي مصل، ويضم قبة كبيرة وأربعة أرباع مغطاة بالرصاص، ومئذنة واحدة تحتوي على شرفة، وعلى بابه الخارجي نقشت لوحة رخامية تروي باختصار قصة الاسم الغريب لهذا الجامع الفريد.
وأجمع المصلون لوكالة الأنباء القطرية “قنا”، على أن للمسجد طابعاً روحانياً خاصاً يميزه عن غيره من المساجد، مؤكدين أن أجواءه تبعث في النفس شعوراً عميقاً بالسكينة والطمأنينة، وأن دخوله يمنحهم راحة داخلية وهدوءاً روحياً لا يجدونه في أماكن أخرى، ما يجعل من زيارتهم له تجربة إيمانية مختلفة تحمل بعداً وجدانياً متفرداً.
ورغم مرور الزمن، واجه المسجد تحديات قاسية. فقد تعرض لأضرار كبيرة خلال الحرب العالمية الأولى، إلا أن أهالي إسطنبول أعادوا ترميمه في عام 1960، ليبقى شاهدا على قصة رجل لم يكن غنيا، لكنه كان صاحب رؤية وصبر وإرادة.
واليوم، وبعد أكثر من 200 عام، لا يزال مسجد “كأنني أكلت” قائماً، شاهداً على أن الزهد والتوفير لا يعنيان الحرمان، بل يمكن أن يصنعاً تاريخاً، ويتركا أثراً، ويغرسا قيمة تتوارثها الأجيال.