في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع غير الربحي عالميًا، لم يعد العمل الخيري يقتصر على تقديم المساعدة الآنية، بل أصبح مطالبًا ببناء منظومة مؤسسية قائمة على المعرفة والبيانات وقياس الأثر.
ومن هذا المنطلق، أطلقت نماء الخيرية منصة العمل الإنساني لتكون مركزًا جامعًا للمعرفة والأدوات الذكية والموارد التطبيقية، يسهم في تعزيز كفاءة المؤسسات الخيرية، ويدعم التحول نحو عمل إنساني مستدام قائم على التحليل والتخطيط الاستراتيجي.
المنصة تمثل نقلة نوعية في مفهوم التطوير المؤسسي، إذ تجمع بين التقنية والفكر، وبين الخبرة المحلية والمعايير العالمية، لتضع أمام العاملين في القطاع غير الربحي أدوات عملية تساعدهم على قياس أثر مشاريعهم، وتحسين أدائهم، واستشراف مستقبل العمل الخيري في ضوء التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الحوار، يسلط عبدالعزيز الإبراهيم، رئيس قطاع الاتصال في نماء الخيرية بجمعية الإصلاح الاجتماعي، الضوء على فلسفة المنصة، وأهدافها الاستراتيجية، ودورها في مأسسة العمل الخيري، وتحويله من جهود موسمية إلى منظومة تنموية مستدامة تصنع أثرًا حقيقيًا في حياة الإنسان.
- تحول من العطاء التقليدي إلى العمل المؤسسي القائم على البيانات
- أداة تحليل تمكّن الجمعيات من قياس الأثر الحقيقي لمشاريعها
- المنصة مبادرة معرفية تطبيقية أطلقتها نماء الخيرية لتكون بيئة متكاملة تدعم التحول المؤسسي في القطاع غير الربحي
< بدايةً… ما هي منصة العمل الإنساني؟ وما ترجمة اسمها ودلالته؟
- منصة العمل الإنساني، هي مبادرة معرفية تطبيقية أطلقتها نماء الخيرية لتكون بيئة متكاملة تدعم التحول المؤسسي في القطاع غير الربحي، كلمة “hub” تعني المركز الجامع أو نقطة الالتقاء، ولذلك فالمنصة صُممت لتكون مركزًا جامعًا للمعرفة، والأدوات الذكية، والموارد التطبيقية، والخبرات الدولية في مجال العمل الإنساني.
الهدف لم يكن إنشاء موقع إلكتروني تقليدي، بل تأسيس منظومة معرفية تقنية تساعد المؤسسات الخيرية على الانتقال من نمط العمل التقليدي القائم على الاجتهادات الفردية إلى نموذج مؤسسي قائم على البيانات والتحليل وقياس الأثر.
< كيف تسهم المنصة في تعزيز الكفاءة المؤسسية ومأسسة العمل الخيري؟
- المنصة تعمل على إعادة صياغة مفهوم العمل الخيري من “نشاط موسمي” إلى “منظومة مؤسسية مستدامة”، ويتم ذلك عبر تمكين الجمعيات من بناء قراراتها على بيانات دقيقة، وقياس نتائج مشاريعها بطرق علمية، وتحسين استخدام الموارد، والتخطيط طويل المدى بدلاً من الاستجابة العاجلة فقط.
نحن نؤمن أن مأسسة العمل الخيري تبدأ من تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات استراتيجية. لذلك صُممت المنصة لتكون داعمًا أساسيًا في رحلة التحول المؤسسي.
< حدثنا عن الأدوات الذكية التي توفرها المنصة؟
أحد أهم أعمدة منصة العمل الإنساني هو الأدوات الذكية التي صُممت خصيصًا لدعم المؤسسات في اتخاذ القرار المبني على البيانات.
من أهم الأدوات الذكية هي أداة تحليل أثر المشاريع وهذه الأداة تمكّن الجمعيات من قياس الأثر الحقيقي لمشاريعها، ليس فقط من حيث عدد المستفيدين، بل من حيث التغيير الفعلي الذي أحدثه المشروع في حياة الأفراد والمجتمعات وتساعد الأداة على، تحديد مؤشرات الأداء قبل تنفيذ المشروع، قياس النتائج أثناء التنفيذ، وتقييم الاستدامة بعد الانتهاء، تحليل الفجوات وتحسين الأداء المستقبلي، وبهذا تتحول المشاريع من مجرد تقارير إنجاز إلى نتائج قابلة للقياس والتحسين.
أيضا هناك أداة لوحة قياس الأداء المؤسسي، وتوفر المنصة لوحة تفاعلية لقياس الأداء تشمل مؤشرات تشغيلية ومالية وتنموية، وهذه اللوحة تمنح الإدارة رؤية شاملة لحظية عن كفاءة الإنفاق، ونسب الإنجاز، وفعالية البرامج، إدارة المخاطر، ووجود هذه المؤشرات بشكل مرئي وتفاعلي يعزز الشفافية، ويساعد القيادات التنفيذية على اتخاذ قرارات دقيقة وسريعة.
< ماذا عن الموارد التطبيقية والنماذج القابلة للتفعيل؟
- المنصة لا تكتفي بالإطار النظري، بل توفر موارد تطبيقية عملية تشمل على أدلة إجرائية، ونماذج سياسات، قوالب تقييم جاهزة، ونماذج تخطيط استراتيجي، وأطر حوكمة قابلة للتطبيق، هذه النماذج صُممت بحيث يمكن تكييفها بسهولة مع بيئات العمل الخيري المختلفة، سواء كانت جمعية صغيرة محلية أو مؤسسة إغاثية دولية. الهدف هو تقليل الفجوة بين المعرفة والتنفيذ، وتوفير أدوات جاهزة تساعد المؤسسات على التطوير دون الحاجة للبدء من الصفر.
< كيف تسهم المنصة في استشراف مستقبل العمل الخيري؟
- منصة العمل الإنساني لا تركز فقط على الحاضر، بل تستشرف مستقبل القطاع من خلال، متابعة الاتجاهات العالمية، تحليل التحولات الرقمية، دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي، تعزيز مفاهيم التصميم المتمحور حول الإنسان، كما أن المنصة تقدم محتوى تحليليًا يساعد المؤسسات على الاستعداد للتغيرات القادمة، مثل التحول الرقمي، وتغير سلوك المتبرعين، ومتطلبات الشفافية الدولية.
< حدثنا عن المجلة التي تصدر عن المنصة؟
- ضمن مكونات المنصة، تم إطلاق مجلة منصة العمل الإنساني كإصدار معرفي دوري متخصص في قضايا العمل الخيري والتنمية.
وتناولت المجلة في عددها الأول موضوع “العمل الخيري والذكاء الاصطناعي”، حيث ناقش كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحليل بيانات المستفيدين، تحسين توزيع الموارد، والتنبؤ بالاحتياجات، رفع كفاءة التخطيط، وقد ركز العدد على تحويل التقنية إلى أداة إنسانية تعزز العدالة والكفاءة.
أما العدد الثاني فقد خصص لموضوع “التصميم المتمحور حول الإنسان”، وهو مفهوم يقوم على تصميم البرامج والمشاريع بناءً على احتياجات الإنسان الفعلية، لا على الافتراضات المسبقة، وتناول العدد أهمية إشراك المستفيد في تصميم الحلول، لضمان استدامتها وفعاليتها، وهذه المجلة تمثل مرجعًا معرفيًا يسهم في رفع الوعي الفكري والمهني داخل القطاع.
< ماذا عن مرشد العمل الخيري ستانفورد؟
- المنصة تضم أيضًا محتوى معرفيًا مستندًا إلى مرشد العمل الخيري ستانفورد (stanford social innovation review guide)، والذي يُعد من أبرز المراجع العالمية في تطوير العمل غير الربحي.
إدراج هذا المرجع يعكس حرص المنصة على الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، وربط التجربة المحلية بالإطار الدولي، بما يعزز جودة الأداء ويرفع سقف الطموح المؤسسي.
< كيف ترون أثر المنصة على القطاع غير الربحي في الكويت والمنطقة؟
- نحن نرى أن منصة العمل الإنساني تمثل خطوة استراتيجية نحو بناء قطاع خيري ذكي ومستدام فهي تعزز الشفافية، وتدعم اتخاذ القرار المبني على البيانات، وترفع كفاءة الإدارة، وتوسع دائرة المعرفة، وتؤسس لجيل جديد من القيادات الخيرية المؤهلة أما الهدف النهائي هو أن يصبح العمل الخيري الكويتي نموذجًا في الاحتراف المؤسسي، يجمع بين البعد الإنساني العميق والكفاءة التقنية المتقدمة.
«من قيم نماء الخيرية»
الابتكار… روح التطوير
في نماء الخيرية لا يُنظر إلى الابتكار باعتباره خيارًا إضافيًا، بل كقيمة جوهرية تحرك العمل وتوجه مساره نحو التميز والاستدامة. فالابتكار لدينا هو ثقافة إبداعية مرنة تشجع على طرح الأفكار الجديدة، وتتبنى استخدام التقنيات الحديثة كأدوات فاعلة لتعظيم الأثر الإنساني والتنموي.
نؤمن أن العمل الخيري لا يمكن أن يظل أسير الأساليب التقليدية، بل يحتاج إلى تطوير مستمر يستجيب لمتغيرات الواقع واحتياجات المستفيدين. لذلك نحرص على ابتكار حلول نوعية ومحددة تعالج التحديات الإنسانية بطرق عملية ومدروسة، مستندة إلى البيانات والتحليل، وليس إلى الاجتهادات العابرة.
كما نعتبر التجربة – بما تحمله من نجاحات أو أخطاء – مصدرًا ثريًا للتعلم والتحسين. فكل تجربة تمثل فرصة لإعادة التقييم، واستخلاص الدروس، وتطوير الأداء. ومن هنا تأتي أهمية المراجعة الدورية للبرامج والخدمات، لضمان فعاليتها، وتحسين جودتها، ورفع كفاءتها التشغيلية.
الابتكار في نماء ليس مجرد فكرة، بل منظومة عمل تعزز القدرة التنافسية للمؤسسة، وتمنحها المرونة في مواجهة التحديات، والقدرة على استشراف المستقبل، وصناعة أثر إنساني أكثر عمقًا واستدامة.
قصة واقعية
من الخيمة إلى المعطف الأبيض..
حكاية حلمٍ تحدّى اللجوء
في أطراف مخيمٍ يئن تحت وطأة الريح والبرد، كان يعيش طفل يُدعى أحمد، لا يملك سوى خيمةٍ رقيقة ودفاتر قديمة يشبّهها بالكنوز. كان ينظر كل صباح إلى المدرسة البعيدة خلف الأسلاك، كمن يحدق في حلمٍ بعيد المنال، ويهمس لأمه: «سأصبح طبيبًا… سأعيد للناس عافيتهم كما أتمنى أن تعود حياتنا كما كانت».
لكن الواقع كان صعبًا؛ الفقر يثقل كاهله، والعمل المبكر يلاحقه، والكتب صارت رفاهية لا تُتاح إلا لمن حظي بالحظ. اضطر أحمد لمساعدة والده في أعمال بسيطة لكسب قوت يومهم، بينما كان قلبه يصر على التعلق بحلمه. في ليالٍ مظلمة، كان يدرس على ضوء مصباح صغير، ينقل ما حفظه من أصدقاءه، يكتب على أوراق متناثرة، ويرفض أن يستسلم لقسوة المخيم.
وفي يومٍ بدا وكأنه استجابة لدعاءٍ طويل، وصل فريق من نماء الخيرية إلى المخيم حاملين برنامجًا لدعم تعليم الأطفال اللاجئين. رأت إدارة البرنامج في أحمد شغفًا متقدًا، فتكفلت بدراساته، وزوّدته بكل مستلزمات التعلم، واحتضنت حلمه كما لو كان مشروع حياة. لم يكن الدعم ماديًا فقط، بل كان ثقةً أعادت إليه يقينه بأن حلمه بالطب ممكن، مهما طال الطريق.
عاد أحمد إلى مقاعد الدراسة بعزم جديد، يتفوق عامًا بعد عام، حتى حصل على منحة للالتحاق بكلية الطب. يوم إعلان قبوله، ذرفت عينا والدته دموعًا لم تكن حزنًا هذه المرة، بل فخرًا؛ ابنها الصغير من خيمةٍ مهترئة صار على أبواب تحقيق حلمه الكبير.
اليوم، يقف أحمد بين قاعات الجامعة مرتديًا معطفه الأبيض، مبتسمًا كلما تذكر أن بدايته كانت من خيمةٍ في مخيم. قصة أحمد ليست مجرد نجاح فردي، بل شهادة حيّة على قوة التعليم ودور العمل الخيري في تغيير المصائر. يد امتدت بالعطاء كانت كفيلة بأن تنقل طفلًا من ظلام النزوح إلى نور العلم، ليصبح يومًا ما طبيبًا يعالج الجراح التي عرفها جيدًا، حاملًا رسالة الشفاء والوفاء لمجتمعه.