حافظت الأسر السورية على مدى قرون، مع حلول شهر رمضان المبارك، على عادة “السكبة” بوصفها من أبرز المظاهر الاجتماعية التي تجسد روح التضامن والتكافل بين أبناء المجتمع، حيث تتمثل هذه العادة بتبادل أطباق الطعام قبيل أذان المغرب بين الجيران والأقارب، في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية المتوارثة.
ولا يُشترط في “السكبة” أن يكون الطعام فاخراً أو متنوعاً، إذ يكفي أن يكون من الطبق الرئيسي المُعدّ في المنزل، في ممارسة تعبّر عن قيم المشاركة والمودة، وتكرّس معاني المحبة والتآخي بين أفراد المجتمع.
وعن تاريخ عادة السكبة السورية، روى الباحث الراحل منير كيال في كتابه “دمشقيات مرابع الطفولة ومهوى الأفئدة”، أن أحد فقراء الشام كان يتلقى أطباق الطعام من جيرانه كل يوم، إلى أن زاره ذات يوم شخص من الريف وقت الغداء، وكان الزائر محرجاً من ذلك، لكنه عندما دعي إلى مائدة الطعام وشاهد أكثر من عشرة أطباق مختلفة من الطعام فوجئ كثيراً.
وقبل البدء بالطعام طُرِقَ الباب، ولاحظ الزائر أن صاحب المنزل أتى بطبق طعام جديد مِن الطارق، ففهم ما حصل، وأصبح يروي ما شاهده لمن يلتقيهم، حتى شاعت القصة بين عموم العائلات السورية، وأصبحت من العادات والتقاليد بين جميع السوريين دون استثناء.
وذكر كيال في كتابه أن السكبة لا تفرّق بين غنيٍّ وفقير، إذ كان الفقير يسكبُ للغني، وكان الغنيُّ يفعل الشيء ذاته، وكانت سكبة كل طبق قدر حجمه، وبذلك يحدث نوع من التوازن في الحارة، بمعنى أن السكبة كانت جزءاً من طريقة الأخذ والعطاء التي كانت سائدة، ولعلها برأي كيال امتداد مُحرَّف لطريقة المُبادلة والمقايضة القديمة، لكنها في جميع الأحوال كانت تكريساً للتداخل بين الأسر، والتعاطف القائم بين الناس وتبادل المحبة.
من جانبه، أوضح الباحث في التراث الشعبي مازن ستوت خلال حديثه لوكالة “سانا”، أن السكبة تعد من العادات الضاربة في عمق التراث الشعبي السوري، ونشأت من فكرة بسيطة تقوم على تنويع الموائد بين الجيران، بحيث يشارك كل بيت بجزء من طعامه، ما يضمن تنوع الأطباق ويؤكد حضور قيم التكافل الاجتماعي، خاصة تجاه الأسر المتعففة.
وقال ستوت: كانت السكبة جزءاً من منظومة اجتماعية متكاملة في الحارة، حيث يعرف الجار أحوال جاره، فتصل الأطباق إلى البيوت المحتاجة بصورة تحفظ الكرامة، دون إعلان أو إحراج.
واعتبر ستوت أن عادة السكبة حملت أبعاداً اجتماعية وإنسانية عميقة، إذ أسهمت في تعزيز العلاقات بين الأسر، وتخفيف الأعباء المعيشية، وإحياء قيمة “الجار للجار” التي عُرفت بها البيئة الشامية.
ولفت إلى أنه في كثير من الأحيان، كانت بعض العائلات ترسل سكبة كاملة إلى بيوت المحتاجين، أو تكثر من حصص الطعام عمداً لتوزيعها، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي في المجتمع السوري، حيث لم تقتصر على دين واحد، بل في كثير من المرات كانت عائلات مسيحية ترسل لجيرانها من الأسر المسلمة سكبة رمضان وبالعكس. كما لعب الأطفال دوراً لافتاً في هذه العادة، إذ كانوا يتولون مهمة إيصال الأطباق قبيل الإفطار، في مشهد يومي يسبق أذان المغرب بدقائق، فتزدحم الأزقة بحركة الصغار وهم يحملون الصحون المغطاة، ما يضفي على الحارات أجواءً من الألفة والفرح وفق ستوت.
وتبقى السكبة أكثر من مجرد طبق يُتبادل قبيل الإفطار، فهي طقس رمضاني يجسّد روح التراحم والتكافل، وصورة حيّة من صور الهوية الثقافية السورية التي توارثتها الأجيال، وحافظت عليها كجزء أصيل من ملامح الشهر الفضيل.