من أجهزة الصراف الآلي والبطاقات المصرفية إلى المدفوعات الفورية والبنوك الرقمية، قطعت الكويت شوطاً واسعاً في رقمنة قطاعها المصرفي، مدفوعة بتطور البنية التحتية للمدفوعات وتوسع استخدام التكنولوجيا المالية، فيما يواصل بنك الكويت المركزي تطوير الأطر التنظيمية التي توازن بين الابتكار والاستقرار المالي والأمن السيبراني.
وتظهر مؤشرات استخدام وسائل الدفع حجم التحول الذي شهده السوق، إذ ارتفعت حصة قيم المعاملات غير النقدية من نحو 34 في المئة عام 2010 إلى 85 في المئة خلال الربع الثاني من 2026، بالتزامن مع دخول خدمات دفع رقمية إلى السوق المحلية، بينها «أبل باي» و«سامسونغ باي»، وإطلاق خدمة الدفع الآني «ومض» للأفراد في 2024.
ولم يقتصر التحول على وسائل الدفع، إذ عمل «المركزي» على تحديث البنية التحتية للمدفوعات الوطنية، بما في ذلك نظام الكويت الآلي لتسوية المدفوعات بين المشاركين «kassip» ونظام الكويت للمقاصة الإلكترونية للشيكات «kecc»، مع إتاحة تشغيلهما على مدار الأسبوع، بما في ذلك أيام العطلات، اعتباراً من أبريل 2025.
وشهدت المرحلة الثانية من مشروع نظام الكويت الوطني للمدفوعات إطلاق نظام الكويت للمقاصة الآلية «kach» في يناير 2026، ثم نظام الكويت لإدارة المنازعات «kdms» في فبراير، لتوفير آلية رقمية لمعالجة وتسوية المنازعات المرتبطة بالمعاملات المالية المنفذة عبر أنظمة المدفوعات الوطنية.
رقمنة حكومية
امتدت الرقمنة إلى المعاملات الحكومية عبر نظام الخدمات المصرفية الإلكترونية «ebss»، الذي يتيح للجهات الحكومية تنفيذ التحويلات المالية واستلام الردود آلياً، فضلاً عن متابعة التحويلات وأرصدة الحسابات مباشرة، وبلغ عدد الجهات المشاركة فيه 51 جهة.
وفي المدفوعات العابرة للحدود، انضمت جميع البنوك المحلية إلى نظام المدفوعات الخليجي «آفاق»، الذي يتيح تنفيذ الحوالات بين دول مجلس التعاون بعملاتها المحلية خلال فترات زمنية قصيرة وبتكاليف منخفضة ضمن بيئة آمنة.
بنوك رقمية وتقنيات مالية
وعلى مستوى البنوك الرقمية، وضع بنك الكويت المركزي في 2022 إطاراً تنظيمياً يتيح ثلاثة نماذج، تشمل إنشاء وحدة مصرفية رقمية تابعة لبنك قائم، والصيرفة كخدمة من خلال شراكات بين البنوك وشركاء رقميين، وإنشاء بنك رقمي مستقل بترخيص مصرفي.
ويطبق النموذج الأول في السوق المحلية من خلال «وياي» التابع لبنك الكويت الوطني، و«تم» التابع لبيت التمويل الكويتي، وتطبيق «sidi» التابع لبنك وربة، فيما تتيح البيئة التنظيمية اختبار نماذج وخدمات مالية جديدة قبل طرحها على نطاق أوسع.
وفي السياق ذاته، أطلق «المركزي» البيئة الرقابية التجريبية «regulatory sandbox» لإتاحة اختبار المنتجات والخدمات المبتكرة في مجال التكنولوجيا المالية ضمن إطار رقابي، كما دشن «مركز ولوج للابتكار» عام 2023 لدعم الابتكار في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وأمن المعلومات والتقنيات المالية والرقابية.
وشملت جهود تنظيم سوق المدفوعات الإلكترونية إلزام الشركات والمؤسسات المالية العاملة في أنظمة الدفع والتسوية الإلكترونية بتوفيق أوضاعها والحصول على موافقة البنك، فيما تمت الموافقة على قيد 9 شركات لمزاولة خدمات الدفع الإلكتروني و7 شركات كمقدمي خدمات للنقود الإلكترونية.
استثمار في الكفاءات
ولا يقتصر التحول الرقمي على البنية التكنولوجية، إذ أطلق البنك في أبريل 2026 برنامج بعثات دراسية داخلية للكويتيين للحصول على درجة الماجستير في التكنولوجيا المالية، بهدف إعداد كوادر وطنية متخصصة في قيادة التحول الرقمي للقطاع المالي.
كما صمم، ضمن مبادرة «كفاءة»، برنامجي «قادة إدارة المخاطر» و«قادة الأمن السيبراني» بالتعاون مع البنوك المحلية ومعهد الدراسات المصرفية، لتطوير مهارات الكوادر الوطنية في المجالات المرتبطة بالتحول المالي والتقني.
الشمول والأمن السيبراني
ويمثل الشمول المالي محوراً موازياً للتحول الرقمي، مع استمرار السياسات الرامية إلى توسيع وصول الأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى الخدمات المالية. وتجاوز عدد الحسابات المصرفية للفئات محدودة الدخل والعمالة المنزلية 1.47 مليون حساب حتى 30 يونيو 2026.
وفي المقابل، فرض تسارع الرقمنة تحديات جديدة تتعلق بحماية الأنظمة والعملاء، ما دفع «المركزي» إلى تحديث منظومته للأمن السيبراني. وأصدر في ديسمبر 2025 إطار المرونة السيبرانية والتشغيلية للبنوك والمؤسسات المالية، كما أطلق في أبريل من العام ذاته برنامج تسريع مبادرات «درع الاحتيال» لتعزيز الكشف عن الاحتيال المالي الإلكتروني والوقاية منه.
وتكتمل المنظومة بجهود حماية المستهلك ورفع الثقافة المالية، وفي مقدمتها حملة «لنكن على دراية»، التي تستهدف تعزيز وعي العملاء بالمخاطر والتهديدات الرقمية، بما يدعم بناء بيئة مصرفية رقمية أكثر أماناً ومرونة.
وتأتي هذه التحولات في إطار توجه «كويت 2035» نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة وتعزيز مكانة الكويت كمركز مالي وتجاري، مع وضع تطوير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ضمن ركائز الرؤية التنموية.