حين تُدرج دولة ضمن آلية المتابعة المتزايدة لمجموعة العمل المالي (fatf)، تتجه الأنظار غالبًا إلى الجانب الفني: القوانين، الرقابة، الامتثال، والتحويلات.
لكن خلف هذا المشهد التنظيمي، توجد قضية أعمق: الثقة.
النظام المالي العالمي قائم على الثقة.
ومعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم تُنشأ لتقييد العمل المشروع، بل لحماية النظام من الاستغلال. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود المعايير، بل في كيفية التعامل معها.
بين الامتثال والرسالة
العمل الخيري بطبيعته عابر للحدود، سريع الاستجابة، قريب من المناطق الهشة.
وهو في الوقت ذاته قطاع يتعامل مع تدفقات مالية تحتاج إلى أعلى درجات الشفافية والحوكمة.
هنا يظهر التوازن الدقيق:
إفراط في التشدد قد يبطئ العمل الإنساني.
إفراط في التساهل قد يخلق ثغرات تنظيمية.
المعادلة الصحيحة ليست في اختيار أحد الطرفين، بل في إدارة المخاطر بذكاء.
قراءة واقعية للمرحلة
إدراج أي دولة في القائمة الرمادية لا يعني إدانة، ولا يُعد حكمًا على نزاهة قطاعاتها.
هو توصيف فني لوجود نواقص استراتيجية تتطلب معالجة ضمن جدول زمني محدد.
التجارب الدولية تؤكد أن دولًا عدة دخلت هذه المرحلة ثم خرجت منها أقوى، بعد أن عززت أنظمتها الرقابية وطورت أطرها القانونية ورفعت كفاءة مؤسساتها.
الرسالة هنا واضحة:
المرحلة انتقالية، لكنها تتطلب جهدًا حقيقيًا.
ماذا يعني ذلك للقطاع الخيري؟
القطاع غير الربحي ليس خارج المعادلة، بل هو جزء أساسي منها.
وهنا تبرز فرصة تاريخية:
1. تعزيز أنظمة الامتثال الداخلي وتوثيق الإجراءات.
2. إدخال إدارة المخاطر كمكوّن أساسي في الهيكل المؤسسي.
3. تطوير أدوات التتبع المالي والحوكمة الرقمية.
4. بناء خطاب إعلامي يوضح أن الشفافية تعزز الثقة ولا تنتقص من الرسالة.
إن العمل الخيري الذي يُحسن إدارة مخاطره،
لا يُضعف إنسانيته…
بل يحميها.
من رد الفعل إلى إعادة التموضع
المرحلة ليست أزمة ينبغي التعامل معها بخطاب دفاعي.
بل هي فرصة لإعادة التموضع المؤسسي.
عندما يتحول الامتثال من عبء تنظيمي إلى ثقافة داخلية،
تزداد قوة المؤسسة.
وعندما يصبح القطاع شريكًا في التطوير التنظيمي،
لا موضوعًا للرقابة فقط،
فإنه يرسّخ مكانته الوطنية والدولية.
الثقة… رأس المال الحقيقي
قد تتغير القوانين،
وقد تتطور المعايير،
لكن الثقة تظل الثابت الأهم.
الثقة تُبنى بالشفافية،
وتترسخ بالحوكمة،
وتنمو حين تتكامل جهود الدولة والقطاع الأهلي.
العمل الإنساني الكويتي له تاريخ راسخ وجذور عميقة.
وكل مرحلة تطوير تنظيمي يجب أن تُقرأ في سياق تعزيز هذا الإرث لا تقليصه.
إن التحديات التنظيمية ليست نهاية الطريق،
بل قد تكون بداية مرحلة أكثر نضجًا واحترافًا.
والسؤال الذي يحدد المستقبل ليس:
كيف نتجنب الضغط؟
بل:
كيف نحوّل الضغط إلى فرصة لبناء نموذج أكثر قوة وثباتًا؟