في عالم يمضي نحو تعقيد متسارع، تتغير فيه خرائط الاحتياج الإنساني كما تتغير خرائط السياسة والاقتصاد، يصبح من الضروري أن نعيد قراءة مفهوم الإحسان ليس من زاوية العمل الخيري وحده، بل من زاوية الوعي الذي يقوده. فالإحسان ليس قيمة طارئة تظهر وقت الأزمة وتختفي بعدها، بل هو ركيزة من ركائز التوازن الاجتماعي، ومعيار يختبر به المجتمع مدى مسؤوليته تجاه أضعف من فيه.
الإحسان في جوهره معنى ثابت لا يتغيّر، فهو امتداد لفطرة الإنسان وميثاقه الأخلاقي مع مجتمعه. لكن الذي يتغيّر هو درجة الوعي بهذا المعنى وطريقة تجسيده على أرض الواقع. فالإحسان قد يعلو حضوره في بيئة ويخفت في أخرى، وقد يتوسع فهمه عند أشخاص ويتقلص عند غيرهم.
اليوم، ومع ازدياد تعقيد المشكلات وتشابك أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، بات السؤال الأهم ليس: كيف نُحسن؟ بل: كيف نجعل إحساننا أكثر وعيًا وقدرة على الوصول إلى جذور الحاجة لا مظاهرها؟ وهنا تبرز أهمية القدرة على تقييم أعمالنا بصدقٍ ومسؤولية، بعيدًا عن زخرفة الصور وكثرة التقارير، وقريبًا من معيار واحد: أثرٌ يغيّر حياة الإنسان لا يجمّل المشهد.
لم يعد دور المحسن يقتصر على التمويل، بل أصبح شريكًا في فهم الواقع وتحديد الأولويات ومتابعة النتائج. المؤسسات الخيرية الناضجة هي التي تفتح أبوابها للمحسنين ليروا التفاصيل كما هي، لا كما تُعرض. فالعطاء لا يزدهر إلا في بيئة تحترم الأسئلة وتحتفي بالمراجعة، لأن الإحسان الذي يُبنى على وعي يدوم، والذي يُبنى على عاطفة عابرة يذوب بسرعة.
والشفافية هنا ليست خيارًا تجميليًا، بل أساسًا لثقة مستمرة. الشفافية أن نوضح لماذا نختار مسارًا دون آخر، وكيف تُدار الأموال، وما هي النجاحات، وما هي الثغرات. فالمؤسسات التي تواجه الحقيقة بوضوح هي التي تحافظ على ثقة محسنين يبحثون عن أثر، لا عن مجاملات.
وفي زمن الأزمات الكبرى، كالقضية الفلسطينية وغيرها، يتضح الفارق بين التبرع الذي يتحرك بالوجدان فقط، والتبرع الذي يتحرك بالفهم. العاطفة مهمة لأنها توقظ النية، لكنها وحدها لا تصنع أثرًا. الأثر يصنعه الوعي، والتنسيق، واحترام الأولويات. فليس كل ما يبدو إغاثة هو في الحقيقة إغاثة، وليس كل تبرع يصل هو تبرع يُحدِث فرقًا.
أما المحور الأهم اليوم، فهو سؤال يجب أن يطرحه كل محسن على نفسه: هل يغيّر عطائي حياة إنسان؟ أم يريح ضميري فقط؟ فبعض الأعمال الخيرية—رغم نبلها—قد تُطيل عمر المشكلة لأنها تُخفف الألم ولا تعالج أصله. بينما الإحسان الواعي هو الذي يحول المحتاج إلى قادر، ويحوّل العطاء من رد فعل إلى صناعة مستقبل.
إن الإحسان الذي نحتاجه اليوم ليس إحسان اللحظة، بل إحسان الرؤية. إحسان يعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام، ويمنح الأثر قيمته الحقيقية، ويجعل من العطاء وسيلة تغيير لا وسيلة تزيين. وعندما يتقدم الوعي على العطاء، يصبح الإحسان قوة تصنع غدًا أفضل، لا مجرد استجابة ليوم صعب.