تُعد وجبة السحور في شهر رمضان من أبرز السنن النبوية في شهر رمضان المبارك، وقد حث عليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة، منها قوله: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». وهذه البركة تحمل أبعاداً صحية وعلمية عميقة أثبتتها الدراسات الطبية الحديثة. فالسحور ليس مجرد وجبة خفيفة قبل الفجر، بل هو الوقود الأساسي الذي يمكّن الصائم من تحمل ساعات الصيام الطويلة بنشاط وتركيز، ويقلل من المضاعفات الشائعة مثل الصداع، الخمول، الجوع الشديد، والعطش. وتبرز الأهمية الصحية لوجبة السحور، من خلال إمداد الجسم بالطاقة المستدامة، إذ بعد ساعات الصيام الطويلة، ينخفض مخزون الجلوكوز في الدم، مما يؤدي إلى الإرهاق والضعف. ويوفر السحور الكربوهيدرات المعقدة (مثل الشوفان، خبز الحبوب الكاملة، الأرز البني) التي تُطلق الطاقة تدريجياً على مدار اليوم، بدلاً من السكريات البسيطة التي تسبب ارتفاعاً سريعاً ثم انخفاضاً حاداً في مستوى السكر.
وأظهرت دراسات حديثة، أن تناول وجبة سحور متأخرة (قريبة من الفجر) يحافظ على الأداء الإدراكي صباحاً وظهيراً، ويمنع الانخفاض في التركيز والوظائف العقلية أثناء الصيام.
وتسهم وجبة السحور، بالحفاظ على توازن السكر في الدم وتقليل الصداع والدوخة، فتناول السحور يمنع الهبوط الحاد في سكر الدم، وهو سبب رئيسي للصداع والإعياء أثناء النهار.
وتساعد الأطعمة ذات المؤشر الجلايسيمي المنخفض (low gi) مثل البقوليات والمكسرات والخضروات، في استقرار مستويات الجلوكوز، مما يجعل الصيام أكثر راحة، خاصة للطلاب والعاملين الذين يحتاجون إلى تركيز عالٍ.
وتعمل وجبة السحور على تقليل الشعور بالعطش والجفاف، من خلال شرب كميات كافية من الماء، مع تناول أطعمة غنية بالماء (خيار، طماطم، فواكه مثل البطيخ أو البرتقال) يساعد في الحفاظ على توازن السوائل. كما أن تجنب الأطعمة المالحة جداً أو التوابل الحارة يقلل من الشعور بالعطش الشديد خلال النهار. وتعزز وجبة السحور الشبع ومنع الإفراط في الإفطار، فالبروتينات (بيض، جبن، لبن، زبادي، حمص) والألياف (خضروات، فواكه، حبوب كاملة) والدهون الصحية (أفوكادو، مكسرات، زيت زيتون) تطيل فترة الشبع، مما يقلل الرغبة في تناول كميات كبيرة عند الإفطار، ويساعد في التحكم بالوزن وتجنب اضطرابات الهضم.
وتدعم وجبة السحور، الجهاز الهضمي والمناعة، فالسحور ينشط الجهاز الهضمي بعد فترة الراحة الليلية، ويمنع الإمساك الشائع في رمضان بفضل الألياف. كما يوفر الفيتامينات والمعادن (مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم) التي تدعم المناعة والعضلات، وتقلل من التشنجات والإجهاد.
ولتكون وجبة السحور صحية ومتوازنة، ينصح بتأخير السحور إلى ما قبل أذان الفجر بقليل لتقليل مدة الصيام الفعلي، والتركيز على كربوهيدرات معقدة والبروتين والدهون الصحية والخضروات والفواكه والسوائل الكثيرة، مع تجنب الأطعمة المقلية، المالحة جداً، الحلويات المفرطة، والمشروبات الغازية أو المنبهة بكثرة مثل القهوة، والشاي لأنها تزيد العطش.
إن وجبة السحور ليست رفاهية، بل هي ضرورة صحية وسنة نبوية تجمع بين البركة الروحية والفائدة العلمية.
والدراسات تؤكد أن تناول سحور متوازن يحسن الأداء الجسدي والعقلي، يقلل المضاعفات، ويجعل الصيام تجربة أكثر يسراً وإنتاجية. فلنحرص على عدم تفويتها، ففيها بركة الدين والدنيا، وصحة الجسم والروح طوال شهر رمضان المبارك.