في مشهد العمل الإنساني المتجدد، يبرز التطوع بوصفه أحد أهم روافد التنمية المجتمعية، لكنه لم يعد اليوم مجرد مبادرات موسمية أو استجابات آنية، بل تحول إلى منظومة تحتاج إلى رؤية وإدارة وقياس أثر. ومن هذا المنطلق جاء تأسيس مركز أثر للعمل التطوعي في نماء الخيرية، ليكون منصة مؤسسية تحتضن الطاقات، وتصوغ العطاء في قالب احترافي مستدام.
في هذا الحوار، تتحدث الأستاذة عبير يوسف الهجرس، مدير مركز أثر للعمل التطوعي، عن فلسفة المركز، ومنهجيته، وبرامجه، وأثره في تمكين الشباب وترسيخ ثقافة التطوع في المجتمع.
بدايةً، كيف تصفين لنا فكرة تأسيس مركز أثر، وما الدافع الحقيقي وراء إطلاقه؟
فكرة مركز أثر لم تكن وليدة لحظة، بل ثمرة تجربة طويلة مع العمل التطوعي داخل نماء الخيرية، كنا نشهد حماسًا كبيرًا من الشباب، ورغبة صادقة في العطاء، لكننا أدركنا أن الحماس وحده لا يكفي إذا لم يُحط بإطار تنظيمي يحفظه ويوجهه.
من هنا جاءت الحاجة إلى كيان متخصص يُعنى بإدارة التطوع بطريقة مؤسسية، بحيث لا يظل العمل مرتبطًا بالمواسم أو المبادرات العابرة، بل يتحول إلى مسار مستدام. أردنا أن يكون لدينا مركز يحتضن الطاقات، يدربها، يصقلها، ويمنحها مساحة للمشاركة الفاعلة. لأننا نؤمن أن التطوع إذا أُحسن تنظيمه، يصبح قوة تنموية حقيقية قادرة على إحداث تغيير ملموس في المجتمع.
< ما الرؤية التي ينطلق منها مركز أثر في إدارة العمل التطوعي؟
- رؤيتنا تقوم على أن التطوع ليس مجرد تقديم مساعدة، بل هو صناعة وعي وبناء إنسان، نحن نرى أن كل متطوع يدخل إلى المركز يحمل طاقة كامنة، ودورنا هو أن نحول هذه الطاقة إلى أثر منظم.
نسعى إلى ترسيخ ثقافة أن التطوع مسؤولية، وأن العطاء يحتاج إلى تخطيط، وأن العمل الإنساني لا يتعارض مع الاحترافية، بل يتكامل معها. لذلك نحرص على أن يكون لكل مبادرة هدف واضح، وخطة تنفيذ دقيقة، ومؤشرات قياس أثر، حتى نضمن أن الجهد المبذول يحقق نتائج حقيقية.
< كيف يتم استقطاب المتطوعين وتأهيلهم داخل المركز؟
- نحن لا نتعامل مع التطوع باعتباره تسجيل أسماء فقط، بل مسارًا متكاملًا يبدأ من لحظة انضمام المتطوع، لدينا آلية واضحة تبدأ بالتسجيل عبر منصاتنا، ثم التعرف على مهارات المتطوع واهتماماته، لنتمكن من توجيهه إلى المجال الأنسب له.
بعد ذلك تأتي مرحلة التأهيل، حيث نقدم برامج تدريبية وورش عمل تتناول مفاهيم العمل الإنساني، وأخلاقياته، ومهارات القيادة والعمل الجماعي. كما نحرص على إشراك المتطوعين في التخطيط للمبادرات، حتى يشعروا بأنهم جزء من صناعة القرار.
هذا النهج يمنح المتطوع إحساسًا بالمسؤولية والانتماء، ويجعله أكثر التزامًا واستمرارًا.
< ما أبرز البرامج والمبادرات التي يشرف عليها مركز أثر؟
- لدينا باقة واسعة من البرامج التي تتنوع بين المحلي والدولي، وبين الإغاثي والتنموي، ننفذ حملات موسمية مثل المبادرات الرمضانية وكسوة العيد، لكننا في الوقت ذاته نركز على المشاريع المستدامة التي تترك أثرًا طويل المدى.
من أبرز برامجنا أننا نقوم بتنظيم رحلات تطوعية خارجية تشمل تنفيذ مشاريع حفر آبار، وتوزيع سلال غذائية، وإقامة مخيمات طبية، ودعم التعليم في المناطق الأكثر احتياجًا.
ولا نغفل عن المبادرات المحلية التي تخدم الأسر المتعففة، وتدعم الطلبة، وتشارك في الفعاليات الوطنية، لأننا نؤمن أن العمل التطوعي يبدأ من الداخل قبل أن يمتد إلى الخارج.
< كيف تؤثر هذه التجارب في المتطوعين أنفسهم؟
- الأثر الذي نلمسه في المتطوعين لا يقل أهمية عن الأثر الذي يتحقق للمستفيدين. كثير من الشباب يدخلون المركز بدافع الرغبة في المساعدة، لكنهم يخرجون وهم يحملون رؤية أوسع للحياة.
نرى تحولات حقيقية في شخصياتهم؛ يكتسبون مهارات القيادة، ويتعلمون إدارة الوقت، ويطورون قدرتهم على العمل ضمن فريق. كما يتعزز لديهم الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه مجتمعهم.
أذكر أن أحد المتطوعين أخبرني بعد مشاركته في رحلة خارجية أنه عاد شخصًا مختلفًا، أكثر تقديرًا للنعم، وأكثر إدراكًا لدوره في الحياة. هذه اللحظات هي التي تؤكد لنا أن ما نقوم به يتجاوز حدود العمل التطوعي إلى بناء الإنسان نفسه.
< كيف تضمنون استدامة العمل التطوعي وعدم اقتصاره على المواسم؟
- الاستدامة بالنسبة لنا ليست شعارًا، بل هدفًا استراتيجيًا. لذلك نعمل على بناء قاعدة بيانات منظمة للمتطوعين، ونضع خططًا سنوية واضحة، ونحرص على التواصل المستمر معهم حتى خارج فترات الحملات.
كما نركز على بناء ثقافة داخلية تجعل التطوع أسلوب حياة، لا نشاطًا مؤقتًا. وعندما يشعر المتطوع أنه جزء من كيان منظم، وأن جهده محل تقدير، فإنه يستمر بعطاء أكبر.
< ماذا عن دور المركز في توطين العمل الخيري داخل الكويت؟
- توطين العمل الخيري يمثل أولوية مهمة لنا. نحن نؤمن أن بناء كوادر وطنية مؤهلة لإدارة المبادرات هو أساس الاستدامة. لذلك نستثمر في تدريب الشباب الكويتي، ونشجعهم على تحمل أدوار قيادية.
كما نحرص على عقد شراكات مع مؤسسات محلية لتعزيز التكامل وتبادل الخبرات. نريد أن يكون العمل التطوعي جزءًا من الهوية الوطنية، وأن يشعر كل فرد بأنه شريك في صناعة الأثر.
< كيف ترين مستقبل العمل التطوعي في ظل التحولات الرقمية؟
- التحول الرقمي يمثل فرصة كبيرة لتطوير العمل التطوعي. نحن نستفيد من المنصات الرقمية في التسجيل والتواصل وتنظيم الفعاليات، ونسعى إلى تطوير أدوات تقنية تسهل إدارة المبادرات.
أعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الابتكار في هذا المجال، وسيكون للتكنولوجيا دور مهم في توسيع قاعدة المشاركة وتحسين كفاءة الأداء.
< كلمة أخيرة تودين توجيهها للمجتمع؟
- أقول إن التطوع ليس رفاهية، بل ضرورة مجتمعية. هو استثمار في الإنسان قبل أن يكون مساعدة للآخرين. وكلما ازداد عدد الواعين بقيمته، ازداد مجتمعنا قوة وتماسكًا.
في مركز أثر، نؤمن أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بالقصص التي تُكتب في حياة الناس. وعندما نرى شابًا أصبح قائدًا، أو أسرة تغيرت حياتها، ندرك أن رسالتنا تمضي في الطريق الصحيح.
«من قيم نماء الخيرية»
حين يكون الإنصاف منهجًا..
وتصبح النزاهة ثقافة
ليست العدالة في العمل الخيري خيارًا تنظيميًا يمكن الأخذ به أو تجاوزه، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، والركيزة التي يستند إليها الأثر. وفي نماء الخيرية، لا تُفهم العدالة بوصفها مفهومًا نظريًا، بل باعتبارها ممارسة يومية تتجسد في القرارات، والإجراءات، والتعاملات، وفي كل تفصيل يتعلق بخدمة الإنسان.
فالعمل الإنساني، مهما سمت أهدافه، يفقد جوهره إن لم يكن قائمًا على الإنصاف، وإن لم تُحكمه النزاهة، وإن لم تُصن فيه كرامة الجميع دون استثناء.
العدالة… ثقافة قبل أن تكون نظامًا
ترسيخ النزاهة والإنصاف في توزيع المهام واتخاذ القرارات ليس مجرد بند إداري في لوائح المؤسسة، بل هو ثقافة مؤسسية تسري في بيئة العمل. فحين تُسند المهام بناءً على الكفاءة، وتُتخذ القرارات وفق معايير واضحة، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الاجتهادات المزاجية، فإن المؤسسة تحمي رسالتها قبل أن تحمي أنظمتها.
في نماء، العدالة تبدأ من الداخل؛ من طريقة توزيع المسؤوليات، ومن آلية التقييم، ومن احترام اللوائح وتطبيقها على الجميع دون استثناء. فالمساواة المهنية في التعاملات ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تضمن أن يشعر كل موظف ومتطوع بأنه جزء من منظومة عادلة، يُقاس فيها العطاء بالعمل، لا بالانطباعات.
المعايير… بوابة الثقة
الالتزام بالمعايير هو الهدف في تقديم الخدمات والمساعدات. فحين يُطرق باب العمل الخيري، فإن أول ما يبحث عنه المستفيد هو الثقة، وأول ما يترقبه المتبرع هو الاطمئنان.
ومن هنا، فإن العدالة في توزيع المساعدات تعني أن تصل إلى مستحقيها وفق دراسة دقيقة، ومعايير واضحة، بعيدًا عن أي تمييز أو تحيز. فلا يُقدّم احتياج على آخر إلا بميزان موضوعي، ولا يُستثنى أحد لاعتبارات لا علاقة لها بالاستحقاق.
إن رفض الاستغلال، أياً كان شكله، يمثل خط الدفاع الأول عن سمعة العمل الخيري. فلا مجال في نماء لمحاباة أو وساطة أو استثناء غير مبرر، لأن العدالة ليست فقط حماية للمستفيد، بل حماية لسمعة المؤسسة ورسالتها.
الحياد… احترام للإنسان
في بيئة العمل الإنساني، تتعدد الخلفيات والثقافات والظروف، لكن تبقى الكرامة الإنسانية ثابتًا لا يتغير. ولهذا، فإن التعامل مع الجميع بحيادية وخصوصية تامة يُعد من أهم مظاهر العدالة.
فالملفات تحفظ بسرية، والبيانات تصان، والقرارات تُتخذ بعيدًا عن الأهواء. لا يُسأل المستفيد إلا عمّا يحقق مصلحته، ولا يُكشف من تفاصيله إلا ما يقتضيه الإجراء. لأن العدالة ليست فقط في العطاء، بل في طريقة العطاء، وفي حفظ كرامة من يتلقاه.
العدالة… مسؤولية أخلاقية ومهنية
العمل الخيري ليس مجرد أداء وظيفي، بل مسؤولية أخلاقية تتطلب وعيًا دائمًا بأن كل قرار قد يغير حياة إنسان. لذلك فإن ضمان المساواة المهنية في كافة التعاملات يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة هذه المسؤولية.
فالعدالة تعني أن يخضع الجميع للأنظمة ذاتها، وأن تُطبق اللوائح بمعيار واحد، وأن يُحاسب المقصر أياً كان موقعه، وأن يُكافأ المجتهد بناءً على أدائه.
وحين يشعر الموظف أو المتطوع أن المؤسسة عادلة، فإنه يعمل بإخلاص أكبر، لأن العدالة تولد الانتماء، والانتماء يعزز الاستقرار، والاستقرار يصنع الإنجاز.
أثر العدالة… يتجاوز حدود المؤسسة
حين تكون العدالة قيمة راسخة، فإن أثرها لا يقتصر على بيئة العمل، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، فالمؤسسة العادلة تزرع الثقة، والثقة تعزز الاستدامة، والاستدامة تمكّن من تحقيق أثر أعمق وأوسع.
وفي زمن تتزايد فيه التحديات، تصبح العدالة ضمانة لاستمرار الرسالة، وحصنًا يحمي العمل الإنساني من أي انحراف قد يمس نزاهته.
في نماء الخيرية، العدالة ليست مبدأ يُرفع في الوثائق، بل ممارسة تُجسّد في القرارات، وتُصان في الإجراءات، وتُترجم في خدمة الإنسان. إنها عهد أخلاقي بأن يبقى العطاء نزيهًا، وأن يصل الخير إلى مستحقيه بميزان الإنصاف، وأن تظل الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.
قصة واقعية
«قالت إنها لا تملك أسنانًا..
لكنها كانت تملك وطنًا في قلبها»
لم يكن الطريق إلى مخيمات اللاجئين مفروشًا إلا بالغبار.
خيامٌ متلاصقة كأنها تستند إلى بعضها خوف السقوط، ووجوهٌ تعلّمت أن تختصر الحكاية في نظرة. هناك، حيث يصبح الأفق محدودًا بحبال الغسيل، وتتحول الريح إلى زائر دائم، كانت عبير يوسف الهجرس تسير بين الأزقة الرملية، تحيي هذا، وتطمئن على ذاك، وتحاول أن تزرع في المكان شيئًا من الطمأنينة. كانت الزيارة جزءًا من مهمة إنسانية ينفذها مركز أثر للعمل التطوعي، لكن المخيم لا يمنحك فرصة أن تكون زائرًا عاديًا. كل خطوة فيه تسحبك إلى قصة، وكل خيمة تختبئ خلفها ذاكرة مثقلة بالفقد.
وبينما كانت عبير تنتقل من خيمة إلى أخرى، تقدمت منها امرأة مسنّة. كانت تمشي ببطء، كأن الأرض أثقل من أن تُحمل. وجهها يحمل خرائط سنوات طويلة من التعب، لكن عينيها… عينيها كانتا تلمعان بشيء مختلف.
مدّت يدها وصافحت عبير بحرارة، ثم أمسكت بها وكأنها تخشى أن تنسحب اللحظة من بين أصابعها. نظرت إليها طويلًا، ثم قالت بصوتٍ مبحوح، لكنه واضح كاليقين:
«أنا أحب الكويت».
في قلب المخيم، حيث تختلط الجنسيات والقصص، بدت الجملة كأنها رسالة عابرة للحدود. لم تكن المرأة تتحدث عن سياسة، ولا عن مساعدات، بل عن شعور. عن ذكرى. عن يد امتدت يومًا فخففت ألمًا.
ابتسمت عبير، وفي صوتها دفء لم يكن مصطنعًا، وقالت:
«وأهل الكويت يسلمون عليك».
تغيّرت ملامح المرأة فجأة. كأنها تلقت شيئًا كانت تنتظره منذ زمن. ارتجفت شفتاها، وارتسمت على وجهها محاولة ابتسامة، فطلبت منها عبير بلطف أن تبتسم أكثر.
ضحكت المرأة بخجل، ثم وضعت يدها على فمها وقالت بصوت يكاد يكون همسًا:
«ما عندي أسنان».
ساد صمت قصير، لكنه لم يكن صمت إحراج، بل صمت إدراك عميق.
كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت في القلب ثقيلة. لم تكن تتحدث فقط عن أسنان فقدتها، بل عن أشياء كثيرة فقدتها: بيتًا، أمانًا، ربما أبناءً، وربما عمرًا كاملًا ضاع بين النزوح والانتظار.
ومع ذلك… أعادت الجملة الأولى من جديد، وكأنها تختم بها الحكاية:
«أنا أحب الكويت».
في تلك اللحظة، أدركت عبير أن الحب لا يحتاج إلى ملامح مكتملة.
المرأة التي تعتذر عن فقدان أسنانها، كانت تملك ابتسامة أعمق من أن تُرى. ابتسامة امتنان لا تُقاس بالكاميرات، ولا تُوثّق بالصور، بل تُحفَظ في الذاكرة.
حولهن كانت الخيام صامتة، والأطفال يركضون حفاة، والريح تعبث بأطراف القماش المهترئ. لكن داخل تلك اللحظة، كان هناك شيء يتجاوز المخيم. شيء يعبر الحدود دون جواز سفر. كان هناك وطن يُذكر بالحب، في مكانٍ يعرف معنى الفقد.
لم تكن المرأة تطلب شيئًا. لم تمد يدها بسؤال. كانت فقط تريد أن تقول إن قلبها، رغم كل ما مرّ به، ما زال يحتفظ بمساحة للامتنان.
وعندما غادرت عبير المخيم، بقي صوتها يرافقها بين الأزقة الرملية:
«أنا أحب الكويت».
أحيانًا، لا تحتاج الإنسانية إلى خطابات طويلة.
تكفي امرأة فقدت أسنانها… لكنها لم تفقد قدرتها على الحب.
تكفي خيمة على أطراف العالم… لتذكّرنا أن أثر الخير قد يسافر أبعد مما نتخيل.