< بدايةً، كيف تعرفون الحوكمة في نماء الخيرية؟
- في نماء، لا ننظر إلى الحوكمة باعتبارها مجرد لوائح أو تعليمات مكتوبة، بل باعتبارها ثقافة مؤسسية متكاملة تحكم طريقة التفكير قبل أن تحكم الإجراءات، الحوكمة بالنسبة لنا هي الإطار الذي ينظم العلاقة بين الإدارة، والموظفين، والمتبرعين، والمستفيدين، ويضمن أن تُتخذ القرارات وفق معايير واضحة وشفافة.
هي منظومة تقوم على الشفافية، والمساءلة، والعدالة، والكفاءة، ومن دونها يفقد العمل الخيري أحد أهم عناصر قوته، وهو الثقة، لذلك يمكنني القول إن الحوكمة في نماء ليست خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية تحمي الرسالة وتضمن استدامتها.
< لماذا أصبحت الحوكمة اليوم مطلبًا أساسيًا في العمل الخيري؟
لأن طبيعة العمل الخيري تغيرت، نحن اليوم أمام قطاع غير ربحي يتعامل مع موارد كبيرة، ويخدم شرائح واسعة من المجتمع، ويعمل في بيئات محلية ودولية متشابكة، هذا الواقع يفرض علينا مستوى عالياً من الانضباط المؤسسي.
المتبرع اليوم أكثر وعيًا، ويريد أن يعرف أين تذهب أمواله، وكيف تُدار، وما الأثر الذي تحققه. والجهات الرقابية كذلك تطالب بمعايير واضحة للامتثال والشفافية. لذلك فإن الحوكمة أصبحت الضمانة التي تؤكد أن المؤسسة تعمل وفق أنظمة واضحة، وتخضع للمراجعة والتقييم المستمر.
< كيف تطبق نماء الخيرية مبادئ الحوكمة عمليًا داخل المؤسسة؟
- نحن نعمل وفق هيكل تنظيمي واضح يحدد الصلاحيات والمسؤوليات بدقة، بحيث لا يحدث تداخل أو تضارب في القرارات، كما نعتمد على سياسات مكتوبة تغطي مختلف الجوانب المالية والإدارية، بدءًا من إدارة الموارد البشرية، مرورًا بإجراءات الصرف والمشتريات، وصولًا إلى إدارة المخاطر.
لدينا أنظمة رقابة داخلية فعالة، ومراجعات دورية للعمليات، وتقارير مالية دقيقة تُعد وفق معايير محاسبية معتمدة، كما نحرص على الفصل بين الصلاحيات، بحيث لا تكون عملية اتخاذ القرار محصورة في جهة واحدة، بل تخضع لمستويات متعددة من المراجعة.
الأهم من ذلك أننا نرسخ ثقافة الالتزام داخل المؤسسة، فالموظف لا يطبق النظام لأنه مفروض عليه، بل لأنه يدرك أن الالتزام جزء من مسؤوليته المهنية والأخلاقية.
< حصلت نماء الخيرية على شهادة الأيزو، ماذا يمثل ذلك بالنسبة لكم؟
- الحصول على شهادة الأيزو لم يكن هدفًا شكليًا، بل محطة مهمة في مسار التطوير المؤسسي، الأيزو يعكس التزام المؤسسة بمعايير الجودة العالمية في إدارة العمليات، ويؤكد أن لدينا أنظمة واضحة وإجراءات موثقة يتم تطبيقها ومراجعتها بانتظام.
عملية الحصول على الشهادة كانت رحلة بحد ذاتها؛ تضمنت مراجعة شاملة للإجراءات، وتحسينًا مستمرًا للعمليات، وتدريبًا للكوادر، ورفعًا لمستوى الكفاءة التشغيلية، الأيزو بالنسبة لنا ليس ورقة نعلقها على الجدار، بل إطار عمل يحفزنا على التحسين المستمر وضمان الجودة في كل ما نقدمه.
وماذا عن شهادة الريادة المجتمعية؟
شهادة الريادة المجتمعية تمثل اعترافًا بدور نماء في تحقيق أثر ملموس في المجتمع، ليس فقط من خلال حجم المشاريع، بل من خلال جودة الأداء واستدامة المبادرات.
هذه الشهادة تؤكد أن المؤسسة لا تعمل بردود أفعال، بل وفق رؤية استراتيجية واضحة، وأنها قادرة على إحداث تغيير حقيقي في حياة المستفيدين. كما أنها تعزز مكانة نماء كمؤسسة رائدة في القطاع غير الربحي، تجمع بين الرسالة الإنسانية والإدارة الاحترافية.
< كيف تنعكس الحوكمة على العلاقة مع المتبرعين؟
- الشفافية هي حجر الأساس في علاقتنا بالمتبرعين. نحن نحرص على تزويدهم بتقارير واضحة حول المشاريع التي يدعمونها، ونوثق مراحل التنفيذ، ونقيس الأثر، ونشارك النتائج بشفافية.
الحوكمة تعني أن أموال التبرعات تُدار وفق ضوابط صارمة، وأن هناك أنظمة تضمن عدم إساءة استخدامها. وعندما يشعر المتبرع بأن أمواله في أيدٍ أمينة، فإن ثقته تتعزز، ويستمر في دعم المؤسسة.
< كيف تسهم الحوكمة في استدامة العمل الخيري؟
- الاستدامة لا تتحقق بالعاطفة وحدها، بل بالتخطيط وإدارة الموارد بكفاءة. الحوكمة تضمن أن تكون القرارات مدروسة، وأن تُدار المخاطر بوعي، وأن تُخصص الموارد وفق أولويات واضحة.
كما أنها تساعد على بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار حتى مع تغير القيادات أو الظروف. لأن الأنظمة تبقى، والثقافة المؤسسية تبقى، والرسالة تستمر.
< ما أبرز التحديات التي واجهتكم في ترسيخ ثقافة الحوكمة؟
- من أبرز التحديات تغيير بعض المفاهيم التقليدية التي كانت ترى في الإجراءات عبئًا إداريًا. احتجنا إلى وقت لتوضيح أن التنظيم لا يقيّد العمل، بل يحميه، وأن الالتزام بالأنظمة يعزز الكفاءة ولا يقلل المرونة.
عملنا على نشر الوعي الداخلي، وتدريب الموظفين، وشرح أهمية كل إجراء. واليوم يمكنني القول إن الحوكمة أصبحت جزءًا من هوية نماء، وليست مجرد متطلب تنظيمي.
< كيف ترون مستقبل الحوكمة في القطاع غير الربحي؟
- أعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد تطورًا أكبر في معايير الحوكمة، مع التركيز على التحول الرقمي، وإدارة البيانات، وقياس الأثر الاجتماعي بشكل أكثر دقة.
المؤسسات التي ستنجح هي تلك التي تجمع بين الرسالة الإنسانية والإدارة الاحترافية. لم يعد هناك مجال للاجتهادات الفردية غير المنظمة، بل المطلوب هو العمل وفق أطر واضحة ومعايير معتمدة.
< كلمة أخيرة توجهونها؟
- رسالتي أن الحوكمة ليست تعقيدًا إداريًا، بل حماية للقيم، وصون للأمانة، وتعزيز للثقة. في نماء الخيرية، نعتبر أن كل تبرع أمانة، وكل قرار مسؤولية، وكل إجراء جزء من منظومة متكاملة هدفها خدمة الإنسان بأعلى درجات النزاهة والاحتراف.
نحن لا نعمل فقط لنحقق أثرًا اليوم، بل لنضمن أن يبقى هذا الأثر مستدامًا غدًا، والحَوْكمة هي الجسر الذي يعبر بنا من حسن النية إلى جودة الأداء، ومن العطاء العابر إلى التنمية الراسخة.