في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات وتتبدل فيه خرائط الاحتياج، يبقى العمل الإنساني هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع دون ترجمة. من قلب الكويت، حيث العطاء إرثٌ متجذر في الوجدان قبل أن يكون نشاطًا مؤسسيًا، تواصل نماء الخيرية أداء رسالتها برؤية تجمع بين أصالة القيم وحداثة المنهج.
في هذا الحوار، نستضيف رئيس قطاع التنمية والاغاثة في نماء الخيرية بجمعية الإصلاح الاجتماعي خالد مبارك الشامري، للحديث عن فلسفة العمل الإنساني، ومنهجية الحوكمة، والتوازن بين الإغاثة العاجلة والتنمية المستدامة، وكيف تُترجم الثقة إلى أنظمة، والعطاء إلى أثرٍ قابل للقياس. حوار يكشف ما وراء الأرقام… ويروي كيف تتحول المسؤولية إلى رسالة.

- في نماء نحول التبرعات إلى أثرٍ قابل للقياس
- الحوكمة ليست إجراءً إداريًا..  بل صمام أمان للثقة
- الاستدامة معيارنا الأول في كل مشروع إنساني 

 
<   بدايةً… الكويت ارتبط اسمها تاريخيًا بالعطاء، كيف تقرؤون هذا الإرث الإنساني اليوم وأنتم في قلب العمل الخيري؟
 
حين نتحدث عن الكويت فإننا لا نتحدث عن دولةٍ فحسب، بل عن ذاكرة ممتدة من العطاء الإنساني المتجذر في الوعي الجمعي، الكويت لم تصنع هويتها بالاقتصاد وحده، بل صنعتها بالقيم، قبل النفط، وقبل الوفرة، كان أهل الكويت يتشاركون القليل قبل الكثير، ويتقاسمون الرزق قبل أن يتسع.
هذا الإرث ليس مجرد تاريخ يُروى، بل هو مسؤولية تُحمل. منذ نشأة الكويت عام 1613، والعطاء حاضر في سلوك المجتمع؛ من ديوانيات التكافل، إلى حملات الإغاثة البحرية، إلى الوقفيات التعليمية. واليوم، ونحن في قلب العمل الخيري المؤسسي، نقرأ هذا الإرث باعتباره تكليفًا لا تشريفًا.
في نماء الخيرية، ننظر إلى أنفسنا كحلقة في سلسلة ممتدة، نستكمل ما بدأه الآباء، لكن بأدوات عصرية، ومنهجيات علمية، ونظم حوكمة حديثة، العطاء اليوم لم يعد اجتهادًا فرديًا فقط، بل أصبح صناعة إنسانية تتطلب تخطيطًا واستدامة وقياس أثر، نحن نعمل بروح الكويت القديمة… ولكن بعقل مؤسسي حديث.
 
<   كيف تصفون دور نماء الخيرية في قطاع التنمية والإغاثة؟
 
دور نماء لا يمكن اختزاله في إطار المساعدات التقليدية، نحن نؤمن أن العمل الإنساني الحقيقي يبدأ من فهم عميق للإنسان واحتياجاته المتعددة، الإغاثة بالنسبة لنا هي استجابة عاجلة تحفظ الكرامة، لكن التنمية هي الجسر الذي يعيد للإنسان قدرته على الوقوف بثبات.
نعمل في أكثر من 25 دولة، وننفذ مشاريع تمتد من الأمن الغذائي، إلى المياه والإصحاح، إلى التعليم والرعاية الصحية، وصولًا إلى التمكين الاقتصادي، فلسفتنا تقوم على تحويل المتلقي إلى شريك في البناء، لا نريد أن يبقى الإنسان في دائرة الانتظار، بل أن نمنحه أدوات الإنتاج والاستقلال.
وقد عملنا خلال السنوات الماضية على تطوير نماذج تنموية متكاملة، تربط بين التعليم وسوق العمل، وبين الدعم المادي والتأهيل المهني، وبين الإغاثة وبناء القدرات المحلية، حتى تصبح المجتمعات قادرة على إدارة شؤونها بنفسها.
 
<   ما الذي يميز رؤية نماء في العمل الإغاثي عن غيرها؟
 
ما يميز نماء هو الجمع بين القلب والعقل؛ بين التعاطف الإنساني والتخطيط الاستراتيجي. نحن نستجيب فورًا للكوارث، لكننا في الوقت ذاته نضع خطة لما بعد الطوارئ.
حين نحفر بئرًا، ندرسه جيولوجيًا ونؤسس له نظام صيانة محلي. حين نبني مدرسة، نعمل على تدريب المعلمين وتوفير المناهج، حين ندعم أسرة بسلة غذائية، نبحث عن مشروع إنتاجي مستدام لها.
الاستدامة ليست شعارًا لدينا، بل معيارًا نقيس به نجاح أي مشروع، نحن نسأل دائمًا: ماذا بعد؟ كيف يستمر الأثر؟ وكيف يتحول الدعم إلى تنمية؟
 
<   الرحلات الإغاثية تُعد من أبرز أنشطتكم… كيف تُدار؟
 
الرحلات الإغاثية ليست زيارات رمزية، بل عمليات ميدانية منظمة. تبدأ بدراسة الاحتياج، وجمع البيانات، وتحليل الأولويات، ثم التنسيق مع شركائنا المحليين لضمان الوصول الدقيق للفئات المستحقة.
نحرص على أن تضم فرقنا خبرات متنوعة: إدارية، مالية، ميدانية، وإعلامية، لضمان التنفيذ وفق أعلى معايير الجودة والشفافية، كما نستخدم أنظمة توثيق دقيقة، وتقنيات حديثة في تتبع المشاريع.
لكن رغم كل هذا التنظيم، تبقى اللحظة الإنسانية المباشرة هي الأثر الأعمق، حين نجلس مع أسرة، ونستمع لقصة أم، أو نرى فرحة طفل، ندرك أن الأرقام في التقارير ليست سوى عناوين لحكايات إنسانية مؤثرة.
 
كيف توازنون بين العمل الإغاثي والتنمية المستدامة؟
 
نحن نعتبر الإغاثة مرحلة أولى في مسار طويل نحو الاستقرار. لا يمكن الحديث عن تنمية في ظل الجوع أو النزوح أو المرض. لذلك نبدأ بإنقاذ الإنسان من الخطر المباشر، ثم ننتقل إلى إعادة بناء حياته.
مشاريعنا التنموية تشمل بناء المدارس والمراكز الصحية، حفر الآبار الارتوازية، دعم التعليم الجامعي، تمويل المشاريع الصغيرة، وتدريب الشباب والنساء على الحرف والمهن.
نؤمن أن تمكين الإنسان هو أعظم استثمار، وأن بناء القدرات أهم من بناء الجدران.
 
<   كيف تضمنون الشفافية وبناء الثقة مع المتبرعين؟
 
الثقة هي العمود الفقري لأي عمل خيري ناجح. في نماء، طورنا منظومة رقابية متكاملة تشمل سياسات مالية دقيقة، ومراجعة داخلية وخارجية، وتقارير دورية توثق الأثر.
كما نتيح للمتبرعين متابعة مشاريعهم ميدانيًا، ونؤمن أن الشفافية ليست مجرد نشر أرقام، بل وضوح في الإجراءات، وعدالة في التوزيع، ومصداقية في التنفيذ.
وقد انعكس هذا الالتزام على حصول نماء على شهادات جودة ومعايير دولية عززت مكانتها كمؤسسة إنسانية محترفة.
 
في ظل الأزمات العالمية المتزايدة، كيف تحددون أولويات التدخل؟
 
نستند إلى معايير إنسانية واضحة تشمل حجم الكارثة، عدد المتضررين، مستوى الخطورة، والفجوة في الخدمات، لدينا فرق تقييم تعمل ميدانيًا لجمع البيانات وتحليلها.
لكننا أيضًا ننظر إلى البعد الاستراتيجي؛ فنحرص على ألا تكون تدخلاتنا آنية فقط، بل مرتبطة بخطط طويلة المدى تعالج جذور المشكلة.
<   ما الرسالة التي تودون توجيهها لأهل الخير في الكويت؟
 
أقول لهم: أنتم الامتداد الطبيعي لتاريخ هذا الوطن، عطاؤكم لا يصل إلى الأفراد فقط، بل يعزز صورة الكويت الإنسانية عالميًا.
كل مساهمة، مهما كانت بسيطة، قادرة على صناعة فرق حقيقي، ربما يكون تبرع صغير سببًا في إنقاذ حياة، أو تعليم طالب، أو إعادة الأمل لأسرة بأكملها.
<   كيف ترون مستقبل العمل الإنساني في نماء؟
 
نتطلع إلى تعزيز الابتكار في العمل الخيري، والاستفادة من التحول الرقمي في إدارة البيانات، وقياس الأثر بدقة أكبر. كما نسعى إلى توسيع مشاريع التمكين الاقتصادي، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية.
رؤيتنا واضحة: “نهتم بالإنسان”، سنظل نعمل على تحويل الحاجة إلى قدرة، والمعاناة إلى فرصة للنهوض.
<   أخيرًا… ماذا يعني لكم العمل الإنساني على المستوى الشخصي؟
 
بالنسبة لي، العمل الإنساني ليس مسارًا وظيفيًا، بل التزام أخلاقي. هو تجربة يومية تعلّمك التواضع أمام صبر الناس، وتذكّرك بقيمة النعمة.
كل رحلة إغاثية تغيّر في داخلك شيئًا، كل دعاء من أم، وكل ابتسامة من طفل، تذكّرك أن الخير باقٍ ما بقيت القلوب الرحيمة.
نحن في نماء لا نقدم مساعدات فحسب…
نحن نبني جسورًا بين الأمل والواقع، ونؤمن أن الإنسان إذا مُنح فرصة عاد أقوى مما كان، وهذا هو جوهر رسالتنا.
 
 
 

قصة واقعية
«اليوم وُلدتُ من جديد»..
 

 
تخيل أن تستيقظ كل صباحٍ على عتمةٍ لا تنقشع…
أن تسمع أصوات أحفادك يضحكون حولك، لكنك لا ترى ملامحهم…
أن تمتد يدك تتحسس الطريق في بيتك الذي عشت فيه عمرك كله، وكأنك تزوره لأول مرة.
هكذا كانت تعيش أمّ محمد.
سنواتٌ طويلة بدأت فيها الرؤية تخفت شيئًا فشيئًا، حتى تحولت الدنيا أمامها إلى ظلالٍ باهتة. قالت يومًا: “لم أعد أرى الوجوه… أرى فقط أطيافًا تتحرك.” كانت المياه البيضاء تسرق بصرها ببطء، وتسرق معها تفاصيل حياتها الصغيرة؛ وجه ابنتها، لون السماء، مصحفها الذي اعتادت أن تقرأ فيه كل صباح.
لم يكن الألم في عينيها فقط، بل في قلبها أيضًا.
كانت تخشى أن تصبح عبئًا على من حولها، تخشى أن تحتاج من يقودها في كل خطوة. العملية التي يمكن أن تعيد إليها بصرها كانت أبعد من قدرتها المادية، فآثرت الصمت، ورضيت بالعتمة.
إلى أن وصلها خبرٌ غيّر كل شيء.
نماء الخيرية تتكفل بإجراء عمليات المياه البيضاء للحالات غير القادرة. في البداية لم تصدق. قالت: “أيعقل أن أرى من جديد؟” كان الأمل بالنسبة لها رفاهية مؤجلة، لكنها قررت أن تتمسك به هذه المرة. دخلت غرفة العمليات وقلبها يرتجف بين خوفٍ ورجاء. دقائق قليلة… عملية بسيطة في ميزان الطب، لكنها في ميزان حياتها كانت فاصلة بين ليلٍ طويل وفجرٍ منتظر.
وعندما أزال الطبيب الضماد بعد العملية…
رمشت بعينيها ببطء، وكأنها تتعلم الرؤية من جديد.
نظرت حولها… رأت الجدار، رأت النور يتسلل من النافذة، رأت وجه ابنتها واضحًا لأول مرة منذ سنوات.
تجمدت للحظة… ثم انهمرت دموعها.
لم تكن دموع ألم، بل دموع دهشة وفرح.
مدّت يدها تتحسس وجه ابنتها وهي تقول بصوتٍ يرتعش:
«سبحان الله… هكذا أصبح شكلك؟»
ثم التفتت وقالت جملةً لم ينساها من كان حاضرًا:
«اليوم… وُلدتُ من جديد.»
لم تكن عمليةً جراحية فحسب، بل كانت ولادة ثانية؛ عادت معها قدرتها على القراءة، وعلى السير بثقة، وعلى رؤية أحفادها وهم يكبرون أمام عينيها. عاد إليها استقلالها، وعاد إليها شعورها بالحياة.
هكذا تصنع يد العطاء فرقًا لا يُقاس بالأرقام.
عملية بسيطة تعيد البصر… وتعيد معها الكرامة، والفرح، والأمل.
في عالمٍ يعيش فيه البعض في عتمةٍ صامتة، قد تكون مساهمتك هي النور الذي ينتظرونه…
وقد تكون سببًا في أن يقول إنسانٌ آخر، كما قالت أمّ محمد:
“اليوم… وُلدتُ من جديد.”